الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
لم يكن هذا الحديث ليكون موضع حوار لو فهمنا التصوف على حقيقته، ولكن هذا يحتاج إلى توفيق من الله عزّ وجل، نسأل الله تعالى أن يفتح علينا أبواب المعرفة إنه على كل شيء قدير.
إن من أسرع المآخذ على المقال الرئيس في هذا الحوار، هو وضع الكاتب حاجزا بين التصوف وبين العقل، وكأن التصوف ضرب من الجنون أو فن يتصل بالوجدان دون الواقع بينما الأمر مختلف في جوهره عن هذا التصوّر الخاطئ، فالتصوف الصادق السليم هو مزيد اقتراب من حقائق الأمور. وسوف أبيّن ذلك فيما يتبع من كلامي بإذن الله تعالى.
ولكن، فلنبدأ من نقطة فصل الكاتب بين رجال التصوف ورجال الفقه، لنسأل الكاتب هل عرف رجال التصوف الصادقين المعتبرين عند الجمهور وعرف الفقيه العالم، أم حاكم المبادئ (الصوفية) و(الفقهية) بحسب ما وجد من سلوك كل من انتسب إليهما لفظا وهو أبعد الناس منهما وعنهما مسلكا ومذهبا وسبيلا!؟
وطالما أن الدكتور يتحدث عن التحقيق العلمي فإن الدخول في هذا المبحث يضطرنا إلى العودة إلى الجذور الصوفية لنفهم حال الصوفية وحال التصوف الحق فعن أبي الحسن الفرغاني قال: سألت أبا بكر الشبلي: من الصوفي؟ فقال: "من صفا قلبه فصفى، وسلك طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم".
فهل طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا علم وعمل وإحسان إلى الناس!؟.
ثم ساله قائلا: هذا الصوفي، ما التصوف؟ قال: "تعظيم أمر الله، والشفقة على عباد الله".
فهل أثبت من موافقة العقل في تعظيم أمر الله والشفقة على عباد الله!؟.
وانظر معي –أخي القارئ- إلى قول معروف الكرخي حيث يقول: "التصوف هو الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق". ومعناه ترك تعلق القلوب بمتاع الدنيا الزائل، فهل أثبت في موافقة العقل من تعلق القلوب بما لا يدوم يا دكتور؟.
إن التصوف الحق لم يخرج يوما من عباءة الفقه والالتزام بالأحكام الدينية وفي ذلك يقول شيخ أهل التصوف في زمانه الإمام الجنيد: "طريقنا هذا مضبوط بالكتاب والسنة، إذ الطريق مسدود إلا على المقتفين ءاثار رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ويقول سهل التستري: "أصول ما ذهبنا إليه (يعني الصوفية) ثلاثة: اقتداء بالنبي في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأفعال".
حسنا، كل هذا يعني أن الصوفي الحق رجل يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع الدين وأحكامه في الحلال والحرام وقد قال قائلهم:
ليس التصوف لبس الصوف ترقعهُ ... ولا بكاؤك إن غنى المغنونَ
بل التصوف أن تصفو بلا كدرٍ ... وتتبعِ الحق والإسلام والدينَ
من هنا يتبين لك أخي القارئ أنه لا خلاف بين الفقيه الحق وبين الصوفي الحق، كما ادعى صاحب المقال –دون تحقق علمي- بدليل ما ذكره هو نفسه من عدم حصول تعارض بين علماء الأزهر الشريف وبين شيوخ التصوف، ولا يخفى فضل علماء الأزهر الغابرين في الفقه مما يؤكد أن لا اختلاف بين فقيه حقيقي وصوفي حقيقي.
وفي هذا الباب يحضرني ما روي عن السري السقطي قوله: "المتصوف لا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه الكتاب أو السنة".
ومن أوضح الأدلة على صدق كلامنا في هذا البيان قول الإمام الفقيه الصوفي كبير أهل التصوف في زمانه الشيخ أحمد الرفاعي لما قال: "الصوفي هو الفقيه العامل بعلمه".
وقد كان رحمه الله شيخ أهل الطريقة الصوفية في زمانه وكان بالإضافة إلى ذلك عالم فقيه كان يحضر مجالس تدريسه الآلاف من طلبة العلم الشرعي.
هذه الحقيقة التي ينبغي أن نقف عندها وهذا هو مثال الصوفي الحق وعلى هذا كان الصوفية الذين نشروا الإسلام في كثير من البقاع والامصار.
فالعجب العجاب ممن يطلق أحكام التكفير والتضليل والبعد عن الشريعة في حق الصوفية والتصوف –كما في رد المدعو نايف ذوابه- هداه الله.
واعلم يا اخي القارئ أن الحكاية التي ذكرها الدكتور الجندي في المقال الرئيس، عن اختلاف مزعوم بين (صوفية) وبين (علماء) ليس حقيقيا، فالعالم الحقيقي ليس الذي يرتدي عباءة وجبة فيتهم الصوفية بالشرك بالله كما أن الصوفية ليسوا أولئك الذين ينكرون على أهل العلم الشرعي انشغالهم بالفقه، والصوفي لا مانع لديه من قول (نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) كما أن العالم الحقيقي لا مانع عنده من قول (سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم).
والحق الحق في اثنين انكر احدهما على الآخر لفظا من الاثنين أن يقال لا مدعي التصوف صوفي ولا مدعي صفة العلم عالم.
فاعلم أخي أن التصوف الحق الصادق السليم هو طريق أهل السنة والجماعة، فقد صحت عقيدتهم وصح اتباعهم، غرضهم الالتزام بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، مع الإكثار من النوافل، والخروج عن الدنيا والملذات، ويدل على حسن اتباعهم وصدق يقينهم وصحة معتقدهم، أنهم رفعوا لواء العلم، فكان منهم العلماء والقراء والمحدثون، وما ينقل عنهم من عبارات خالصة في التوحيد والتنزيه دال على حسن اتباعهم وصدق انتمائهم وما سنذكره لك في سياق كلامنا عن علومهم واقتدائهم بسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
قال الصوفية: "تعلموا علم عقيدة أهل السنة والجماعة، والطهارة والصلاة والصوم والحج والزكاة، والعقود من البيوع والحلال والحرام، والمكروه والواجب والمندوب، والمباح والصحيح والباطل"".
واعلم أن العلم يورث الخوف من الله، وطول الصمت، وكثرة التفكر والاعتبار، واذا اعتبرت علماء السلف رأيت الخوف غالبا عليهم، والدعاوى بعيدة عنهم، وانما صدر هذا عن مثل هؤلاء السادة لقوة علمهم بالله، وقوة العلم به تورث الخوف والخشية، قال الله عز وجل: {إنّما يخشى الله َمن عباده العلماؤا} [سورة فاطر] أي العلماء الأتقياء يخشون الله يخافونه أكثر من غيرهم وقال عليه الصلاة والسلام: "أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له" فقدّم صلى الله عليه وسلم العلم بالله على الخشية منه.
قال سهل بن عبد الله التستري: "علامة حب الله حب القرءان وحب النبي، وعلامة حبه حب السنة، وعلامة حب السنة حب الآخرة، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا"، والمقصود بالسنة هنا الشريعة وهي العقيدة والأحكام التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأنشد الصوفية:
فما لك يوم الحشر شيء سوى الذي ... تزودته قبل الممات الى الحشر
اذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن البذر
فالطريق عند الصوفية هو الطريق عند سائر أهل الفقه عند أهل السنة والجماعة من شافعي وحنفي ومالكي وحنبلي وفي هذا يقول السيد أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه: "الطريق واضح صلاة وصوم وحج وزكاة، فالتوحيد والشهادة برسالة الرسول عليه الصلاة والسلام أول الأركان واجتناب المحرمات هذا هو الطريق".
لذلك أنشد بعضهم:
لكل بني الدنيا مراد ومقصد ... وان مرادي صحة وفراغ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغا ... يكون به لي في الجنان بلاغ
ويقول الفضيل بن عياض: "اتبع طرق الهدى ولا تغتر بقلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين".
ويقول الجنيد: "من لم يحفظ القرءان ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيد بأصول السنة".
وهذا تصريح صادر عن كبير اهل التصوف في زمانه الإمام الجنيد من أن من لم يتعلم القرءان والحديث النبوي الشريف لا يدخل في الحقيقة في التصوف الحق ولكن فليعلم أن كثيرا من الناس انتسبوا إلى التصوف باللفظ دون المعنى والحقيقة فانحرفوا لما لم يدركوا أن التصوف علم وعمل وفرقوا بين الشريعة والطريقة وبين الشريعة والحقيقة، وتوهموا أن الحقيقة تخالف الشريعة وأن الباطن يخالف الظاهر وهذا خطر محدق وجهل مطبق، لأن الشريعة كلها حقائق، وقد أنكر السادة الصوفية الحقيقيون الإعراض عن ظواهر الشرع، وقال السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه: "كل باطن خالف الظاهر فهو مردود"، وقال أيضا: "شيدوا أركان هذه الطريقة المحمدية بإحياء السنة وإماتة البدعة". فكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور مخدوع. ولا عبرة ولا اعتبار بقول من قال: دع علم الورق وخذ علم الخرق، بل قل كما قال الامام أحمد بن حنبل رضي الله عنه لما رؤي وهو يحمل المحبرة على كبر سنه فقال له رجل: الى متى يا أبا عبد الله فقال: "المحبرة الى المقبرة".
فانظروا إلى عظيم وعظ هذا الصوفي الجدير بالاسم كيف يحث طلبة العلم على الاعتناء بعلم الدين وقد كان رضي الله عنه يرى المحابر بأيدي طلبة العلم فيقول: "هذه سرج الإسلام".
وأنشد الرواس الصوفي الشهير فقال في هذه القصيدة القدسية:
تمسك بذي علم منير على هدى ... فأهل علوم كالنجوم الزواهر
هذا شأنهم وهذا مشربهم علم وعمل واتباع للسنة واقتداء واتباع لسيد الأنبياء.
واليك ما يقول العالم البحر السيد الشريف الشيخ أحمد الرفاعي الكبير في تعظيم العلم والعلماء: "أيْ سادة عظموا شأن الفقهاء والعلماء كتعظيمكم شأن الأولياء والعرفاء، فانّ الطريق واحد، وهؤلاء ورّاث ظاهر الشريعة ومحلة أحكامها الذين يعلمونها الناس وبها يصل الواصلون الى الله، اذ لا فائدة بالسعي والعمل على الطريق المغاير للشرع، ولو عَبَدَ الله العابدُ خمسمائة عام بطريقة غير شرعية فعبادته راجعة اليه، ووزره عليه، ولا يقيم الله له يوم القيامة وزنا، فإياكم وإهمال حقوق العلماء وعليكم بحسن الظن فيهم جميعا وأما أهل التقوى منهم، العاملون بما علمهم الله فهم الأولياء على الحقيقة فلتكن حرمتهم عندكم محفوظة".
ويقول أيضا: "العلماء سادات الناس وأشراف الخلق والدالون على طريق الحق، لا تقولوا كما يقول المتصوفة (أي مدعي التصوف دون انتساب يصح) نحن أهل الباطن وهم أهل الظاهر، فانّه لولا الظاهر لما بطن، ولولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح، القلب لا يقوم بلا جسد، بل لولا الجسد لفسد".
ويقول الصوفي سهل بن عبد الله التستري: "الدنيا كلها جهل الا ما كان علما وعملا، والعمل كله موقوف الا ما كان على الكتاب والسنة وتقوم السنة على التقوى".
وقال أيضا: "احفظوا السواد على البياض (أي كتابة العلم) فما أحد ترك الظاهر الا تزندق".
وقال بعضهم: "ما من طريق الى الله أفضل من العلم فان عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في الظلام".
وقال أبو سعيد الخراز: "كل باطن خالف الظاهر فهو باطل".
وانظر اخي القارئ إلى عظيم غرشاد الصوفية الصادقين طلبةَ العلم إلى اتباع المذاهب الفقهية المعتبرة عند الجمهور فقد قال أبو سعيد الخراز أيضا ما نصه: "لا تهملوا حقوق العلم والفقهاء، أي سادة تقولون قال الحارث قال أبو يزيد ما هذا الحال قبل هذه الكلمات، قولوا قال الشافعي قال مالك قال أحمد قال نعمان، قال الحارث وأبو يزيد لا ينقص ولا يزيد، قال الشافعي وقال مالك أنجح الطرق وأقرب المسالك".
وقال السيد الرفاعي أيضا: "شيدوا دعائم الشريعة بالعلم والعمل، وبعدها ارفعوا الهمة للغوامض من أحكام العلم وأحكام العمل. أشياخ الطريقة وفرسان ميادين الحقيقة يقولون لكم خذوا بأذيال العلماء تفقهوا".
فكيف يتجرأ البعض –ولا أعني الدكتور- على ذم الصوفية الحقة بل ويتعدى البعض إلى التكفير والتفسيق والتضليل وفي هذا جرأة بل ووقاحة ما بعدها وقاحة ولو تمترست بسيوف الحركة الوهابية التكفيرية لأن هذا التكفير والتضليل يطالون به عنق كل مسلم جدّ في طلب الخير والسعي إلى الاقتداء بالأخلاق النبوية العالية نسال الله السلامة. اما ما يختص بكرامة الأولياء، فالله تعالى قادر لا يعجزه شيء وكما صح في العقول أن يكرمهم الله تعالى في حال حياتهم قبل موتهم فلا يوجد مانع عقلي من أن يكرمهم الله بعد وفاتهم بشيء لم يعتده الناس وكلنا يعرف كيف حفظ الله جسد الصحابي عاصم بن ثابت رضي الله عنه بعد موته وكان أمير سرية أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر، ثم قُتل عاصم، فأرسل بعض مشركي قريش مَنْ ياتي لهم بشيء منه يُعرف –وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر- فبُعثَ على عاصم مثل الظلّة من الدّبْر فحمت جسده فلم يقدروا أن يقطعوا من لحمه شيئا.
والله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ولا أحد سبحانه وتعالى.
ويا دكتور، الكثير من العادات المخالفة للشرع –وقد ذكرتَ بعضها- والتي يقوم بها منتسبون للصوفية فليست من الصوفية الحقة في شيء، بدليل ما أوردته في هذا الرد المستعجل من قواعد التصوف كما وردت على ألسنة أكابر أهل التصوف الحق، وأختم مداخلتي بنصيحة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفيها يقول: "يا أحنف من كثر ضحكه قلت هيبته ومن أكثر من شيء عُرف به ومن كثر كلامه كثر سَقَطُه ومن كثر سَقُطُه قلَّ حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعُه ومن قل ورَعُه مات قلبُه".