( 5 )
مضى أسبوعان , تمت الزراعة , لقد زرعت روحها بين أضلع ريما , الليل سهر و ترقب , و النهار مراقبة و تلهف , لم تعد الإتصالات تأتي من الزوج , ربما تفهم الوضع . أختها بدأت تتململ من ابنتيها المشاغبتين و زوج أختها بدأ يضجر منهن , و الأطباء يغودون و يروحون بالإجابة الجاهزة المبسترة التي لا تسمع غيرها : " كل شيء طيب و عسى يكون خير " .
ريما حرارتها مرتفعة و شكلها متعب , طفح جلدي غريب انتشر كالوباء اللعين على جلدها الناعم المُخملي , قيء مستمر و إسهال لا ينقطع , تدن متدرج في مستوى الوعي .
إغماءة مفاجئة ....
نقل سريع إلى العناية المركزة , تجري خلفها .. تبكي و تبكي .. و تركض خلف السرير الذي تدفعه ممرضة قاسية و طبيب مرتبك , توصد دونها الأبواب .
كيف أكون أنا في الخارج و تكون ريما في الداخل , هي قطعة مني , ولدتها من داخلي , لم تفارقني لحظة , كنت معها في كل نفس و في كل حركة لمدة شهرين , كيف تغلقون الأبواب ؟؟
توقعت أن يخرج أحد ليخبرها بما يحدث , أخذت تضرب على الباب بعنف , فجاءها موظف الأمن :
- " هل أنت مجنونة ؟؟ ألا تعرفين أن هذه عناية مركزة و الناس هنا بين الحياة و الموت , و أنتِ تقرعين الباب بهذه الطريقة الهمجية "
- " إبنتي دخلت هنا قبل دقائق و لا أحد يخبرني عنها شيئا "
- " يا أختي أذكري الله و عودي إلى غرفتك و اشربي شيئا من القهوة و ادعي لها "
- " و الله لن أتزحزح من هنا حتى لو أتيت بجرافة و جرفتني "
- " حسنا ولكن لا تضربي على الباب حتى تخرج الممرضة و تطمنك بإذن الله "
و تمضي ساعة أو يزيد , و تخرج ممرضة و تتعلق بها أم ريما كالغريق الذي وجد خشبة طافية في خضم الأمواج المتلاطمة , تمر الممرضة من أمامها دون أن تكلمها , و يغلق الباب ثانية , تركض خلفها , تتوسل إليها :
- " أرجوك طمنيني عن بنتي "
- " ماما أنا ما في معلوم "
و تمر ساعة أخرى , و لا أحد يخرج , جلست على الأرض و استسلمت لحالة من الذهول التي لم تعد بعدها تميز شيئا , هل لهذا الهم من نهاية ؟
يفتح الباب :
- " أنت ِ أم ريما ؟ "
- " نعم , أريد أن أراها "
- " الطبيب المناوب يريد أن يتحدث إليك في غرفة الإجتماع بالأهل بعد خمس دقائق , هل اتصلت بوالدها ؟؟ "
- " والدها لا يعرف عنها شيئا "
في غرفة الإجتماعات و الوجوم يسيطر ..
- " أم ريما .. ريما أصيبت بتسمم دموي بسبب جرثومة دخلت في الدم , و انتشرت في كل مكان و هو من مضاعفات الزراعة المحتملة كما ذكروا لك قبل الزراعة , و للأسف أدى ذلك إلى ضعف شديد في القلب و التنفس , احتجنا معه أن نُجري تنفسا صناعيا . قمنا بتنشيط القلب و لكن دون جدوى , الله يرحمها و يصبرك "
أسمع من قلبي أنين الذبيح , و أشعر بأن عيني كأعالي الجبال التي تنبع منها الشلالات غزيرة , و أحس بالوقت و قد توقف , و المكان و قد فقد كل ما فيه ومن فيه , و أحس و كأنني دخلت و بعمق في الثقب الكوني الأسود الكبير .
- " أريد أن أراها "
- " طبعا تفضلي "
- " يا لها من جميلة هذه البنت , أجدر بها أن تسبقنا إلى دار الجمال "
الممرضة تربت على كتفي ..
- " أم ريما , لا بد أن نقوم ببعض الأعمال بخصوص ريما و قد أتى الليل , لماذا لا تذهبين إلى الغرفة و ترتاحين قليلا , كما نطلب منك أن توقعي على هذه الأوراق "
ذهبت تمشي إلى الغرفة , لم تعد تذكر رقم الغرفة أو مكانها , لم تعد تعرف من هي , و لكنها أحست بالسكينة تسري فيها , فتملأ قلبها دفئا , من أخذها ؟ أليس الذي أعطاها ؟
اتصلت بزوجها , الجوال مغلق ..
اتصلت بأختها , لا أحد يرد ..
اتصلت بأخيها , صُعق للخبر الذي لم يتوقعه أحد , و دُهش أكثر لأنها كانت تكلمه بكل هدوء و سكينة , هو لا يعرف أنه لم تبق قطرة واحدة بقية من الدموع لتذرفها , و لم يعد هناك مزعة ألم تُبديها , و و عدها بأن يكون في الرياض في صباح الغد .
يوم الثلاثاء هذا لا يحمل الكثير من المشاعر , لكنه اليوم كصفيح ساخن , أخوها دفن ريما في الرياض في جنازة هادئة صغيرة , و الإستشاري يهنئ أم الطفة التي كانت بجوارها على نجاح الزراعة و شفائها التام من سرطان الدم , و الأطباء المقيمون يجرون بين الأجنحة مرهقين كالعادة , طبيبة الإمتياز تستغرب أين ذهبت ريما , ربما تم نقلها إلى قسم آخر , و الممرضات يأخذن العلامات الحيوية للمرضى في المستشفى , و جناح الولادة يستقبل تسع ولادات ذلك اليوم ....
أم ريما تصلي و تدعو و تشعر بالرضى و التسليم , تركب السيارة مع أخيها إلى بلدهم لترعى ابنتيها ..
و زوجها يستمتع بشهر العسل مع زوجته الجديدة على شاطئ البحر الأحمر عقابا لأم ريما ,, و يكافئ ريما على موتها في قبرها
و العجلة تدور ....
انتهى