منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - أنين الجُرح , بين حنانية المرأة و أنانية الرجل !!
عرض مشاركة واحدة
قديم 16-04-2008, 02:45 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
ايهاب ابوالعون
أقلامي
 
الصورة الرمزية ايهاب ابوالعون
 

 

 
إحصائية العضو







ايهاب ابوالعون غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى ايهاب ابوالعون إرسال رسالة عبر Yahoo إلى ايهاب ابوالعون

افتراضي رد: أنين الجُرح , بين حنانية المرأة و أنانية الرجل !!

( 5 )






مضى أسبوعان , تمت الزراعة , لقد زرعت روحها بين أضلع ريما , الليل سهر و ترقب , و النهار مراقبة و تلهف , لم تعد الإتصالات تأتي من الزوج , ربما تفهم الوضع . أختها بدأت تتململ من ابنتيها المشاغبتين و زوج أختها بدأ يضجر منهن , و الأطباء يغودون و يروحون بالإجابة الجاهزة المبسترة التي لا تسمع غيرها : " كل شيء طيب و عسى يكون خير " .

ريما حرارتها مرتفعة و شكلها متعب , طفح جلدي غريب انتشر كالوباء اللعين على جلدها الناعم المُخملي , قيء مستمر و إسهال لا ينقطع , تدن متدرج في مستوى الوعي .

إغماءة مفاجئة ....

نقل سريع إلى العناية المركزة , تجري خلفها .. تبكي و تبكي .. و تركض خلف السرير الذي تدفعه ممرضة قاسية و طبيب مرتبك , توصد دونها الأبواب .

كيف أكون أنا في الخارج و تكون ريما في الداخل , هي قطعة مني , ولدتها من داخلي , لم تفارقني لحظة , كنت معها في كل نفس و في كل حركة لمدة شهرين , كيف تغلقون الأبواب ؟؟

توقعت أن يخرج أحد ليخبرها بما يحدث , أخذت تضرب على الباب بعنف , فجاءها موظف الأمن :
- " هل أنت مجنونة ؟؟ ألا تعرفين أن هذه عناية مركزة و الناس هنا بين الحياة و الموت , و أنتِ تقرعين الباب بهذه الطريقة الهمجية "
- " إبنتي دخلت هنا قبل دقائق و لا أحد يخبرني عنها شيئا "
- " يا أختي أذكري الله و عودي إلى غرفتك و اشربي شيئا من القهوة و ادعي لها "
- " و الله لن أتزحزح من هنا حتى لو أتيت بجرافة و جرفتني "
- " حسنا ولكن لا تضربي على الباب حتى تخرج الممرضة و تطمنك بإذن الله "


و تمضي ساعة أو يزيد , و تخرج ممرضة و تتعلق بها أم ريما كالغريق الذي وجد خشبة طافية في خضم الأمواج المتلاطمة , تمر الممرضة من أمامها دون أن تكلمها , و يغلق الباب ثانية , تركض خلفها , تتوسل إليها :
- " أرجوك طمنيني عن بنتي "
- " ماما أنا ما في معلوم "


و تمر ساعة أخرى , و لا أحد يخرج , جلست على الأرض و استسلمت لحالة من الذهول التي لم تعد بعدها تميز شيئا , هل لهذا الهم من نهاية ؟


يفتح الباب :
- " أنت ِ أم ريما ؟ "
- " نعم , أريد أن أراها "
- " الطبيب المناوب يريد أن يتحدث إليك في غرفة الإجتماع بالأهل بعد خمس دقائق , هل اتصلت بوالدها ؟؟ "
- " والدها لا يعرف عنها شيئا "


في غرفة الإجتماعات و الوجوم يسيطر ..
- " أم ريما .. ريما أصيبت بتسمم دموي بسبب جرثومة دخلت في الدم , و انتشرت في كل مكان و هو من مضاعفات الزراعة المحتملة كما ذكروا لك قبل الزراعة , و للأسف أدى ذلك إلى ضعف شديد في القلب و التنفس , احتجنا معه أن نُجري تنفسا صناعيا . قمنا بتنشيط القلب و لكن دون جدوى , الله يرحمها و يصبرك "

أسمع من قلبي أنين الذبيح , و أشعر بأن عيني كأعالي الجبال التي تنبع منها الشلالات غزيرة , و أحس بالوقت و قد توقف , و المكان و قد فقد كل ما فيه ومن فيه , و أحس و كأنني دخلت و بعمق في الثقب الكوني الأسود الكبير .
- " أريد أن أراها "
- " طبعا تفضلي "
- " يا لها من جميلة هذه البنت , أجدر بها أن تسبقنا إلى دار الجمال "

الممرضة تربت على كتفي ..
- " أم ريما , لا بد أن نقوم ببعض الأعمال بخصوص ريما و قد أتى الليل , لماذا لا تذهبين إلى الغرفة و ترتاحين قليلا , كما نطلب منك أن توقعي على هذه الأوراق "

ذهبت تمشي إلى الغرفة , لم تعد تذكر رقم الغرفة أو مكانها , لم تعد تعرف من هي , و لكنها أحست بالسكينة تسري فيها , فتملأ قلبها دفئا , من أخذها ؟ أليس الذي أعطاها ؟


اتصلت بزوجها , الجوال مغلق ..

اتصلت بأختها , لا أحد يرد ..

اتصلت بأخيها , صُعق للخبر الذي لم يتوقعه أحد , و دُهش أكثر لأنها كانت تكلمه بكل هدوء و سكينة , هو لا يعرف أنه لم تبق قطرة واحدة بقية من الدموع لتذرفها , و لم يعد هناك مزعة ألم تُبديها , و و عدها بأن يكون في الرياض في صباح الغد .

يوم الثلاثاء هذا لا يحمل الكثير من المشاعر , لكنه اليوم كصفيح ساخن , أخوها دفن ريما في الرياض في جنازة هادئة صغيرة , و الإستشاري يهنئ أم الطفة التي كانت بجوارها على نجاح الزراعة و شفائها التام من سرطان الدم , و الأطباء المقيمون يجرون بين الأجنحة مرهقين كالعادة , طبيبة الإمتياز تستغرب أين ذهبت ريما , ربما تم نقلها إلى قسم آخر , و الممرضات يأخذن العلامات الحيوية للمرضى في المستشفى , و جناح الولادة يستقبل تسع ولادات ذلك اليوم ....

أم ريما تصلي و تدعو و تشعر بالرضى و التسليم , تركب السيارة مع أخيها إلى بلدهم لترعى ابنتيها ..

و زوجها يستمتع بشهر العسل مع زوجته الجديدة على شاطئ البحر الأحمر عقابا لأم ريما ,, و يكافئ ريما على موتها في قبرها


و العجلة تدور ....





انتهى






التوقيع

رحم الله عبدا عرف قدر نفسه
 
رد مع اقتباس