الفنان كامل المغني: كأن لوحاته تنعاه
رام الله- نائلة خليل:
خسرت الحركة التشكيلية الفلسطينية، أول من أمس، واحداً من أبرز مؤسسيها، وأحد أهم الفنانين الذين عملوا طوال أربعة عقود على تطوير ملامح الفن التشكيلي الفلسطيني.
رحل الفنان كامل الـمغني (65 عاماً) بعد صراع مع مرض السرطان دام عاماً ونصف العام، لـم يترك خلالها اللوحة والألوان إلا قبل ستة أشهر، عندما اشتدت عليه وطأة الألـم، وبات مجرد الحديث عبئاً يتطلب ورقة وقلـماً.
كان من الـممكن أن لا يحسم الـموت معركته مع الـمغني سريعاً، لكن منع الاحتلال له من العلاج في الـمستشفيات الإسرائيلية لوقت طويل، دهور وضعه الصحي بشكل سريع.
تقول زوجته: >رفض الاحتلال منحه تصريحاً للعلاج أكثر من ثلاث مرات، وعندما نجحنا بعد أشهر بمساعدة القنصلية الأميركية في الحصول على تصريح، كان الأوان قد فات على أي تدخل طبي>.
ولد الـمغني في حي الشجاعية بغزة العام 1943، وتخرج من كلية الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية العام 1966، وبعد رحيل إسماعيل شموط إلى الأردن في مطلع السبعينيات، بدأ الـمشهد التشكيلي يعاني من فراغ، لـم ينقذه سوى وجود كامل الـمغني، ونبيل عناني، وسليمان منصور، وعصام بدر، في ذلك الحين، هؤلاء الأربعة كانوا نواة الفن التشكيلي في الضفة الغربية في ذلك الوقت.
>للفن والشجر، ظل الـمغني وفياً حتى آخر أيامه، كان الفن عشقه الكبير، والشجر كائناته الـمحببة> تقول زوجته شريفة.
وتقول ابنته إيزيس (32 عاماً): >لوحاته في كل مكان في البيت، ورغم ما فيها من ألوان إلا أننا نشعر أنها تنعاه، الكل يفتقده>.
وتتابع: >هناك لوحة أخيرة في مرسمه مستوحاة من التراث لـم تكتمل بعد، فقد اشتد عليه الـمرض ولـم يستطع إكمالها>.
اكتشف الـمغني شغفه بالألوان صدفة عندما رسم لوحة في عيد الأم حازت على إعجاب معلـميه وزملائه وهو لـم يتجاوز العاشرة بعد.
وإذا كان اكتشاف شرارة الفن بدأ مبكراً ومع لوحة للأم، فمن غير الـمستغرب أن يكمل الـمغني مشواره الفني بحضور كثيف ومؤثر للـمرأة في تكويناته الفنية اللاحقة.
يقول الفنان التشكيلي نبيل عناني: >الـمغني كان من أوائل من شكلوا رابطة الفنانين التشكيليين في فلسطين، وخسارته اليوم تعتبر خسارة وطنية>.
مزج الـمغني في أعماله الفنية بين العناصر التراثية والقضايا السياسية، كان تأكيد الهوية هاجسه الفني وثيمة مشتركة لغالبية أعماله.
يقول العناني: >كان أهم الفنانين الذين عملوا على قضية التراث والهوية من خلال الأسلوب التعبيري>.
ويعتبر الـمغني أحد مؤسسي كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنية حيث عاش وعمل في نابلس، أكثر من عقدين، ولا يزال يعتبر معلـماً وملهماً لطلاب الفنون الجميلة هناك.
أنجز الـمغني خلال مشواره الفني نحو >500 عمل> قسم كبير منها موجود في الـمتاحف الدولية، أو مقتنى من أفراد وشخصيات في الدول العربية والغربية، وشارك في أكثر من ثلاثين معرضاً شخصياً وثنائياً داخل الوطن وخارجه.
نسج الفنان الراحل علاقة استثنائية مع مكونات الطبيعة، وكان من أوائل الفنانين الذين استخدموا الرمل كأحد مكونات اللوحة.
>كانت لديه خلطة خاصة يعجن بها الرمل ــ الـموجود بكثرة في غزة ــ ويضعه على اللوحة فيبدو مكوناً رئيساً فيها، ذا تأثير عال مميز> يقول العناني.
ويؤكد الفنان إبراهيم الـمزين: >ابتكر الـمغني هذا الأسلوب منذ السبعينيات، وتميز به، حيث برع في عمل مسطح اللوحة من الرمل، واستخدام ألوان الجواش>.
ولا يقتصر شغفه على الرمل فقط، فتذكر زوجته أن حبه وعلاقته بالشجر كانا غير عاديين> كان الإنسان الوحيد الذي رأيته في حياتي يلقي السلام على الشجر قبل أن يرويه، كان يقول: إنها كائنات لها أرواح تشعر بمن يحبها>.
>خسرنا فناناً جاداً، وملتزماً، يتمتع بروح دعابة عالية، أما غزة التي كان يحبها أكثر من الجميع فقد خسرت أحد عشاقها>، يقول الـمزين.