10-04-2008, 02:27 AM
|
رقم المشاركة : 1
|
معلومات
العضو |
|
|
|
أنين الجُرح , بين حنانية المرأة و أنانية الرجل !!
هذه القصة حقيقة كتبها طبيب عاصر أحداثها من البداية و حتى النهاية , سأقوم بذكر اسم الطبيب و اسم كاتبه في نهاية القصة .. و يجدر بالذكر أنه لم يتم ذكر الأسماء الحقيقية للحادثة مراعاة لأصحابها وفق ما ذكره الطبيب .
أنين الجرح ( بين أنانية الرجل و حنانية المرأة )
( 1 )
لم يكن سهلا عليها أن ترى ابنتها الجميلة ذات الشعر الأسود الرقراق الذي يلامس بحياء أطراف أذنيها , و ذات الإبتسامة العذبة التي تنسيها هموم الدنيا أن تراها ترقد على السرير الأبيض , كانت تظن أنها وعكة صحية عابرة سرعان ما تنجلي , و لكن الأمر بدأ يقلقها , يبدو أن الأمر أكبر بكثير مما ظنت .
كانت ريما مِلء السمع و البصر , أول بناتها الثلاث , ولكنها بين أخواتها الثلاث كانت الوحيدة التي تملك القدرة السحرية على أن تدخل إلى قلبها السعادة من دون استئذان , و تبدد عنها أي هم و غم من دون عناء , كل ما في الأمر ابتسامة ترسم و إذا بالدنيا تشرق عليها شمس الروعة .
مضى أسبوعان و هي منومة في المستشفى , و لا تمضي ساعة إلا و طبيب يدخل و طبيب يخرج , و الممرضات يأخذن العلامات الحيوية بهمة و نشاط , و لكن لا نتيجة , بدأت ترتكب الجُرم الأكبر الذي إن ارتكبه المريض دخل بجدارة في القائمة السوداء للأطباء و الممرضات , بدأت تسأل " ماذا وجدتم ؟ لماذا ريما وجهها شاحب هكذا ؟ لماذا تأخرت في الأشهر الماضية عن نموها ؟ لماذا فقدت همتها و نشاطها و بدت لمن حولها وردة جميلة بدأت تذبل ؟ " .
- " يا أختي إنه اشتباه في الدم , نقوم بجميع التحاليل و سوف نطلعك على الأمر أولا بأول " .
كيف يتدرب الأطباء على هذه الجمل المطاطة الملغمة ؟ كيف يمكن لأم قلبها ينبض بين أضلع ابنتها أن تفهم جملة كهذه ؟ و لكن هي ذاتها تسمعها من جميع الأطباء , من الطالب الذي يتقاطر عرقا و هو يقدم الحالة خلال المرور اليومي على مجموعة من الأطباء حتى كأنه طالب في الإبتدائية يُسمع جدول الضرب , ومن الأطباء المقيمين الذين تُشفق عليهم أحيانا لانشغالهم الدائم و لكنها تنسى تعاطفها معهم إذا ما سألتهم سؤالا أو طلبت منهم توضيحا , لأنهم في العادة يعتبرون الأسئلة تعطيلا لهم و تضييعا لأوقاتهم الثمينة التي يقضونها غالبا يجرون بين أروقة المستشفى في خدمة أناس لا يتحدثون معهم . قالت مرة لأحدهم " كيف لو دعوت ضيفا إلى بيتك , و جلبت له أفخر الأطعمة , و ألذ المشروبات و أجلسته على أثمن الأثاث لكنك لم ترحب به , و لم تتحدث إليه و بقيت طيل الوقت مكفهرا في وجهه مقطب الجبين ؟ " .
نظر إليها الطبيب و لم يفهم شيئا , و قال : " ربنا معاها و انصرف " .
أما اليوم الذي قرر فيها الإستشاري القيام بجولة على غرف المرضى فإن الأمهات يعتبرنه يوم عيد , إذ تسأل هذه عن حالة ابنها أو بنتها , و تسأل تلك عن أمكانية الخروج في المساء , و تشحذ تلك تقريرا طبيا , أما الطبيب المستعجل فيجدها أسئلة تافهة فلا يلتفت إليهن , عندها تفقد الجولة معناها , و كأنها زيارة تفقدية الغرض منها التقاء الأعين , و الترويح عن نفس الأطباء في نزهة جماعية إلى غرف المرضى .
صادته هذه المرة .
- " دكتور , طمني كيف التحاليل ؟ "
- " لم تنته بعد , نحن نحتاج إلى المزيد من التحاليل "
و أخذ يُمازح ريما قليلا ..
- " ولكن ما هي نتائج التحاليل حتى الآن ؟ "
- " اشتباه في الدم "
- " اشتباه في ماذا ؟ "
- " سنخبرك بكل شيء عند انتهاء التحاليل "
- " ولكن كم تتوقع أن يستغرق الأمر ؟ أنا لدي بنات أخريات و زوج "
- " يا أختي نحن نعرف هذا , كل هؤلاء المرضى حولك عندهم مسؤوليات لا أحد يحب أن يبقى في المستشفى "
- " ولكن كم تتوقع تقريبا ؟ "
الإستشاري يتحدث مع الأطباء المقيمين بالإنجليزية " لقد تعلمت ألا أُخبر المريض بأي مواعيد , لأنه إذا تأخرت التحاليل و كثيرا ما تتأخر , سوف يحملك المريض المسؤولية "
قالت أم ريما بعفوية ولم تكن تعرف الإنجليزية :
- " ولكن كيف نخطط نحن لحياتنا ؟ "
تعجب الإستشاري من جرأتها , فقد اعتاد على نموذج معين من الأمهات المستسلمات اللاتي يشعرن أن مجرد مرور الطبيب بهن هو شرف كبير ولم يعتد على مرتكبات الجرم الأعظم و هو السؤال و المناقشة .
الطبيب المقيم : " غدا إن شاء الله , نحتاج لعمل عينة من نخاع العظم "
- " نخاع العظم ؟ "
- " نعم , لا تقلقي سنشرح لك كل شيء , هذه عينة ضرورية حتى نتمكن من التشخيص بدقة "
- " و هل هي مؤلمة ؟ "
- " سنشرح لك كل شيء , لا تقلقي "
- المريضة في السرير المجاور : " والله لا تشرحون شيئا "
- الإستشاري ينظر إلى الفريق بحدة و كأنه جنرال يؤنب ضباطه على عدم انضباط السجناء !
يتبادلون الإبتسامات و ينسلون من الغرفة كأنهم سراب القطا .
يتبع ....
| التوقيع |
رحم الله عبدا عرف قدر نفسه |
آخر تعديل ايهاب ابوالعون يوم 25-04-2008 في 10:23 PM.
|
|
|
|