منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم
عرض مشاركة واحدة
قديم 15-11-2007, 02:26 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
إبراهيم العبّادي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم العبّادي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم العبّادي غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم العبّادي

افتراضي الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم

الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم



مقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه.. أما بعد:
فلا يزعجني أن يكون للصحوة الإسلامية المعاصرة أعداء من خارجها يتربصون بها، ويكيدون لها، فهذا أمر منطقي اقتضته سنة التدافع بين الحق والباطل، والصراع بين الخير والشر، والتي أقام الله عليها هذا الكون الذي نعيش فيه: (كذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين) (سورة الفرقان: 31).
وقد قال تعالى في شأن أعداء الملة والأمة: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) (سورة البقرة: 217).
إنما الذي يزعجني ويؤرقني ويذيب قلبي حسرات: أن تعادي الصحوة نفسها وأن يكون عدوها من داخلها، كأن يضرب بعضها بعضا، ويكيد بعضها لبعض، وأن يكون بأسها بينها.
لا يزعجني أن يكون في الصحوة مدارس أو فصائل أو جماعات لكل منها منهجه في خدمة الإسلام، والعمل على التمكين له في الأرض، وفقا لتحديد الأهداف وتربيتها، وتحديد الوسائل ومراحلها، والثقة بالقائمين على تنفيذها من حيث القوة والأمانة، أو الكفاية والإخلاص.
ومن السذاجة بحيث أدعو إلى جماعة أو حركة واحدة، تضم جميع العاملين للإسلام في نظام واحد، وتحت قيادة واحدة، فهذا تقف دونه حوائل شتى، وهو طمع في غير مطمع.
وقد ذكرت في أكثر من بحث لي أنه لا مانع أن تتعدد الفصائل والجماعات العاملة لنصرة الإسلام، إذا كان تعدد تنوع وتخصص، لا تعدد تعارض وتناقض..على أن يتم بين الجميع قدر من التعاون والتنسيق، حتى يكمل بعضهم بعضا.. ويشد بعضهم أزر بعض، وأن يقفوا في القضايا المصيرية، والهموم المشتركة، صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص.
ولكن الذي يدمي القلب حقا أن يوجد بين الدعاة والعاملين من لا يقدر هذا الأمر حق قدره، وأن يبذر بذور الفرقة أينما حل، وأن يبحث عن كل ما يوقد نيران الخلاف، ويورث العداوة والبغضاء، وتركيزه دائما على مواضع الاختلاف، لا نقاط الاتفاق، وهو دائما معجب برأيه، مزك لنفسه وجماعته، متهم لغيره.
والحق أن الاختلاف في ذاته ليس خطرا، وخصوصا في مسائل الفروع، وبعض الأصول غير الأساسية، إنما الخطر في التفرق والتعادي الذي حذر الله ورسوله منه.
لهذا كانت الصحوة الإسلامية والحركة الإسلامية بمختلف اتجاهاتها ومدارسها في حاجة إلى وعي عميق بما نسميه (فقه الاختلاف).
وهو أحد أنواع خمسة من الفقه ينبغي التركيز عليها، لأننا أحوج ما نكون إليها، وهي:
1. فقه المقاصد:
الذي لا يقف عند جزئيات الشريعة ومفرداتها وحدها، بل ينفذ منها إلى كلياتها وأهدافها في كل جوانب الحياة واستكمال الشوط الذي قام به الإمام الشاطبي في (موافقاته) وإبراز العناية بالمقاصد الاجتماعية خاصة.
2. فقه الأولويات ومراتب الأعمال:
وكنت نبهت عليه في كتابي "الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف" ولا زال يحتاج إلى مزيد من التعميق والتأصيل والتفصيل والتطبيق على الواقع.
3. فقه السنن:
أعني القوانين الكونية والاجتماعية التي أقام الله عليها عالمنا هذا، وقضى بأنها لا تتبدل ولا تتحول مثل سنن: التغيير والنصر والتدرج.. وغيرها.
4. فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد:
وهو مبني على فقه الواقع ودراسته دراسة علمية مبنية على ما يسره لنا عصرنا من معلومات وإمكانات، لم يكن يحلم بها بشر سواء واقعنا وواقع الآخرين، بعيدا عن التهوين والتهويل.
5. وأخيرا (فقه الاختلاف):
الذي عرفه خير قرون الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، فلم يضرهم الاختلاف العلمي شيئا، وجهلناه فأصبحنا يعادي بعضنا بعضا، بسبب مسائل يسيرة، أو بغير سبب!!
وقد كتب أخونا الفاضل الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني، كتابا حول: "أدب الاختلاف في الإسلام" نشر في سلسلة كتاب (الأمة) وهو كتاب علمي نافع بلا ريب، وقد اعتمد فيه المنهج التاريخي. وكتابي هذا تتمة للموضوع وتعميق وتأصيل له، وربط له بالواقع الذي يعيشه العمل الإسلامي، والذي يفرز على الساحة ما نراه ونلمسه من أفكار واتجاهات ومقولات، شتت الشمل، ومزقت الصف، واشتمتت بنا الأعداء.
ويكاد لا يمر علي يوم إلا وأتلقى فيه رسائل من أنحاء العالم الإسلامي تشكو من الأخوة الذين لا شغل لهم إلا إثارة الخلاف، وتوزيع التهم على عباد الله، دون تقدير للواقع، ولا مراعاة للظروف والضرورات وما عمت به البلوى.
لهذا حين طلب إلي الأخوة المنظمون لمؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي في أمريكا لهذا العام (1989م) أن أكتب عن هذا الموضوع الدقيق الخطير، رحبت به، لإدراكي مدى أهميته للصحوة الإسلامية، وضرورته للحركة الإسلامية، واستعنت الله على الكتابة فيه، برغم الأعباء والمشاغل، فكانت هذه الصحائف التي أسأل الله سبحانه أن يجعلها شعاعا مضيئا على درب العمل الإسلامي الواعي، والصحوة الإسلامية الراشدة، وأن ينفع بها كاتبها وقارئها وكل من أسهم في نشرها وتعميم النفع بها.
اللهم ارزقنا نورا نمشي به في الظلمات، وفرقانا نميز به بين المتشابهات وميزانا نستضئ به في مفارق الطرقات.. (ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير)
الدوحة في د.يوسف القرضاوي
22 جمادي الأولى 1410هـ عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
20 ديسمبر 1989م جامعة قطر

خطة البحث
خطتنا في هذا البحث
يقوم بحثنا في فقه الاختلاف على جملة دعائم علمية وعملية، فكرية وخلقية يتضمنها تمهيد وأبواب ثلاثة، وخاتمة.
أما التمهيد فعن الاختلاف وأنواعه وأسبابه.
وأما الأبواب الثلاثة فأولها يضم فصلين:
الأول بعنوان: الاتحاد والترابط فريضة دينية.
والثاني بعنوان: تفرق الأمة ليس قدرا لازما ولا دائما.
وأما الباب الثاني فيشمل الدعائم الفكرية والعملية التي قوم عليها فقه الاختلاف وهي تتجلى في عشرة فصول:

1. الاختلاف في الفروع ضرورة ورحمة وسعة.
2. اتباع المنهج الوسط وترك التنطع في الدين.
3. التركيز على المحكمات لا المتشابهات.
4. تجنب القطع والإنكار في المسائل الاجتهادية.
5. ضرورة الاطلاع على اختلاف العلماء.
6. تحديد المفاهيم والمصطلحات.
7. شغل المسلم بهموم أمته الكبرى.
8. التعاون في المتفق عليه.
9. التسامح في المختلف فيه.
10. الكف عمن قال (لا إله إلا الله).
وأما الباب الثالث فيشمل الدعائم الأخلاقية لفقه الاختلاف، وتتمثل في فصول ستة:
1. الإخلاص والتجرد من الأهواء.
2. التحرر من التعصب للأشخاص والمذاهب والطوائف.
3. إحسان الظن بالآخرين.
4. ترك الطعن والتجريح للمخالفين.
5. البعد عن المراء واللدد في الخصومة.
6. الحوار بالتي هي أحسن.

وأود أن أنبه هنا إلى أن الفصل بين الجانب الفكري والجانب الخلقي، إنما هو بحسب الظاهر والغالب، وإلا فإن التداخل بينهما قائم، وبخاصة أن الإسلام لا يعرف الفصل بين الجانبين من الناحية العملية.
وأما الخاتمة فهي تنبيه موجز وسريع لما يسعى إليه هذا البحث وما يرجوه من الجبهة الإسلامية لإعلاء كلمة الإسلام، وإنقاذ الأمة في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخها، مع إعطاء مثل تطبيقي في فقه الاختلاف من رجل له وزنه في نشر الدعوة الإسلامية، وتأصيل العمل الإسلامي، وهو الإمام الشهيد حسن البنا.






 
رد مع اقتباس