منتديات مجلة أقلام - " من مذكرات طفل الحرب " للعراقية وفاء عبد الرزاق
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=34)
-   -   " من مذكرات طفل الحرب " للعراقية وفاء عبد الرزاق (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=8362)

فوزي الديماسي 29-10-2006 06:10 PM

" من مذكرات طفل الحرب " للعراقية وفاء عبد الرزاق
 
بين الذكرى و الحلم مسافات بعيدة ، و قفار عنيدة ، وشوك وسقوط ودموع وفراغ ،و على صدر الروح الوحيدة الثخينة ” الذات الشاعرة ” يجثم جبل الصباحات الموءودة يداعب أشلاء طفولة ضلّت طريقها إلى ابتسامتها البريئة و لاذت بالدويّ و الرصاص . الذكرى و الحلم وجهان لشجن واحد اتخذته الليالي الحالكات مستقرّا و طوّقت به جيد ديوان ” مذكرات طفل الحرب ” لوفاء عبد الرزاق .
هذا الديوان المضرّج في جراحه المتناسلة يتقاذفه شعوران : شعور بالدفء يجد ظلّه المنشود زمن هجير الأشلاء و الغربة الباردة في ذكريات انصرمت ، و انفرط أريجها كحبّات عقد و لم يبق منها بالتالي إلا رجع صدى يتردد خافتا في قاع الذاكرة المتعبة ،
و شعور بالبرد تتقاذفه أمواج وحدة صرصر نحو شاطئ مهجور و ديار اتخذها البوم وكرا ، و الذات الشاعرة بين دفء الذكرى و برد الحلم الممزّق و راهن يزفّ للطفولة على مذهب الذئاب أشلاءها المتناثرة على حافة الشراسة كقصبة ضعيفة تحاول بين الفينة
و الهمّ لملمة بعض من سكينتها و لكن أنّى للسكينة أن تسكن في فؤاد مجبول على الدموع و الرصاص و التيه :

كان العود شجرة
كانت الشجرة زحاما
و رفيقا آتي إليه
كلّما غنّى المطر
أغنية البرتقال
أغنية هي الآن
وحش المستقبل

” من مذكرات طفل الحرب ” كتاب مفتوح على أشجان متعدّدة مثلها كمثل جداول متكاثرة تجري أرقا لتصبّ في نهر كئيب ، إنّه نهر الذات الشاعرة المهزوزة و المهزومة ، و مردّ هزيمتها و اضطرابها و تقوقعها على ذاتها المنطوية على ذاتها إلى راهن عقيم متعفّن ، راهن ضارب بقدمين متورّمتين في أعماق السقوط و الانحدار. حتى الطفولة المحمولة على البراءة و الانطلاقة و الفرح أصبحت على عهد هذا الراهن المتأزّم و الكارثيّ شجرة مجتثّة الفصول ، تحمل ملامحها علامات القحط و البوار و الأفول ، ترنو للكون لا من خلال الصفحة البيضاء على مذهب جون جاك روسو التي من المفروض أن تكون عليها الطفولة بل تنظر للعالم من خلال ثقب شوكيّ حالك صنعته رصاصة .
و قد لعب التماهي في الديوان دوره في المواءمة و الملاءمة بين الطفل و الحرب ، حتى أصبح إليها ينتسب ، و بها يعرّف ، و منها نسل ، و إليها مرجعه ، و يبدو ذلك من خلا التركيب الإضافي الموسوم به عنوان المجموعة ” طفل الحرب ” و كأنّ بالحرب ها هنا أمّه و أباه و النفخة الاولى و وجهه الذي يمشي به بين الناس ، فالطفل جزء من ذاكرة الحرب و بالتالي فالحرب بظلامها الدامس وويلاتها جزء من ذاكرته هكذا ينبئ عنوان المجموعة تصريحا و تلميحا :
لست بحاجة لأب
كما لست بحاجة لجمال الفصول
أو لأمّ بردائها تفتح الدروب
الدائرة كما تصورها الجغرافيّ
تكره التحايا صباحا
و تكره أن أدعى حلما مثلا
ممتنّ لها جدّا
تلك الرصاصة التي
ستصبح أسرتي القادمة
حقّا لست بحاجة
إلاّ لمزاج الدويّ
فللدويّ حكمته ، و لصوت الرصاص نكهته في تكوين ماهية الطفل و كنهه ، صورة مكوّنة على إيقاع الحرب ، صورة تكرع من الإنفجارت و الأشلاء حدّ الثمالة ، حتّى باتت الأجنّة على ايقاع الرصاص في الرحم الكارثّي تروح و تغتدي ، كالذات الشاعرة الموسومة بالتململ و لعلّ لعبة الضمائر في ديوان وفاء عبد الرزاق لا تشي بتعدّد الشخوص فالمراوحة بين الذات الشاعرة و الطفل لا تشي بثنائيّة و إنّما تحكي المطابقة بين هذا و ذاك و تحاكيها و تكشف بذلك النقاب عن وجه واحد متجهّم و مجبول على صوت الدويّ و رؤية الأشلاء التي التصقت به و باتت جزءا من حياته و هويّته القائمة على زلزالية الرؤية و كارثية الرؤيا مادامت الرصاصة عنوان بيته و كنية أهله ، فالذات الشاعرة و طفل الحرب منخرطان في معادلة الوجه و القفا ، كلاهما صنو الآخر و شبيه به ، يعيشان سويّا على إيقاع الخيبة محاذاة النعل بالنعل
الذين نسوا لعبهم ارتدوا آخر قمصانهم
ثمّ التحمت أشلاؤهم بي و كأنّها تنتظر زائرا
و الذين يصلحون لرواية المشوّشة
سيقرؤون في كتب التراب
عن أطفال من أغلفة الرصاص
” مذكرات طفل الحرب ” يرصد أزمة ثلاثا الماضي و الراهن و القادم ، و هذه الأزمنة كمثل الطفل و الذات الشاعرة في الديوان لا علاقة لهم جميعا بالزمن الفيزيائي و إنما زمانهم نفسيّ إذ تختزل الذات الشاعرة الأزمنة في زمن واحد ذي وجه واحد هو الشجن المحيط بهذه الذات الجريحة و المسيّج لها و لعوالمها و الآتي على الاخضر و اليابس ، حتّى الأحلام طالها نقيق الدويّ و أظافر الرصاص فاغتالها في المهد ، فعدّ بذلك الحلم / الوهم شيئا مؤجّلا و زمنا هاربا منفلتا من لحظة القنص ، يعيش خارج سياق الزمن و الممكن على غرار الامس الدافئ و الراهن الكارثي و كلاهما ملطّخ بالغياب سواء كان غيابا اغترابيا أو غيابا مفروضا ، و كلاهما مهشّم على صخرة المنايا و العويل و العواء

أمس ُ

أخذتهُ مدرسَتهُ عالياً

كغرّة بياض ٍ للصف

وجنتاهُ اليوم

سكرتان تتمشى عليهما الجراح

عيناهُ على رصيف ٍ عائم ٍ

فلتت منهما ا لصور

شاردٌ ماؤهما حيث إله ٍ آفل ٍ

تسدلان أوراقهما لتناسل الرماد

نافرٌ غضبُهما المنكّس .




الحلم و الطفولة في الديوان أشياء مؤجّلة إلى وقت غير معلوم ، وقت محكوم بثقافة القنا يقرع القنا على حدّ تعبير الشاعر المتنبّي ، فطبول الحرب و الشوارع الغارقة في الأشلاء و الصمت الرهيب و الظلمة المتلبّسة بالغد الشريد أثافي حياة الطفولة و الذات الشاعرة على حدّ السواء ، وجهان طلعا علينا في الديوان كالمرجل المعبّأ بالأنين تلتهمه النار نار الغربة و التأوّه و السقوط ، قدره الذوبان في أرض لا عهد لها بالخضرة و المياه و زقزقة الصباحات المضيئة على فنن الوجود الرافل في النور نور الفجر الوليد


الساعة الآن 05:54 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط