![]() |
سلسة شخصيات أدبية (1) الشيخ على الطنطاوي
يعد الشيخ علي الطنطاوي قوة فكرية من قوى الأمة الإسلامية، ونبعا نهل منه طالبو العلم، والأدب في كل مكان، كان قلمه مسلطا كالسيف سيالاً كأعذب الأنهار وأصفاها، رائعة صورته، مشرقٌ بيانه، وفي ذلك يقول عن نفسه ((أنا من "جمعية المحاربين القدماء" هل سمعتم بها؟ كان لي سلاح أخوض به المعامع، وأطاعن به الفرسان، وسلاحي قلمي، حملته سنين طوالاً، أقابل به الرجال، وأقاتل به الأبطال، فأعود مرة ومعي غار النصر وأرجع مرة أمسح عن وجهي غبار الفشل. قلم إن أردته هدية نبت من شقه الزهر، وقطر منه العطر وإن أردته رزية حطمت به الصخر، وأحرقت به الحجر، قلم كان عذبا عند قوم، وعذاباً لقوم آخرين)).ـ ولد الشيخ علي الطنطاوي في مدينة دمشق في 23 جمادى الأولى 1327 هـ ((12 يونيو 1909 م)) من أسرة علم ودين، فأبوه الشيخ مصطفى الطنطاوي من أهل العلم، وجده الشيخ محمد الطنطاوي عالم كبير، وخاله الأستاذ محب الدين الخطيب الكاتب الإسلامي الكبير والصحافي الشهير.ـ تفتح وعيه على قنابل الحلفاء تدك عاصمة الأمويين وفلول الأتراك تغادر المدينة وديار الشام مقفرة بعد أن عز الطعام وصارت أوقية السكر (200 غرام) بريال مجيدي كان يكفي قبل الحرب لوليمة كبيرة. وكان أول درس قاس تعلمه وعاشه تفكك الدولة العثمانية وتحول ولاياتها السابقة إلى دويلات. فسوريا أصبحت أربع دول: واحدة للدروز والثانية للعلويين، والثالثة في دمشق والرابعة في حلب.ـ كان الفتى علي الطنطاوي وقتها مازال تلميذا في المدرسة لكن وعيه كان يسبق سنه، فعندما أعلن في مدرسته عن المشاركة في مسيرة لاستقبال المفوض السامي الجديد الجنرال ويفان الذي حل محل الجنرال غورو، رفض ذلك وألقى خطبة حماسية، قال فيها: ((إن الفرنسيين أعداء ديننا ووطننا ولا يجوز أن نخرج لاستقبال زعيمهم)).ـ لله درك يا فتى أدركت ما لم يدركه الكبار، فكيف تستقبل أمة عدوها الذي سلبها حريتها وكيف تنسى ما قاله قائد هذا العدو بعد معركة ميسلون ودخول الشام عندما زار الجنرال غورو قبر صلاح الدين وقال له: ها نحن عدنا يا صلاح الدين.. الآن انتهت الحروب الصليبية.ـ تلك المعركة التي كانت نقطة تحول في وعي الفتى علي الطنطاوي، فقد خرج منها بدرس ممهور بدماء الشهداء واستقلال الأمة.. درس يقول إن الجماهير التي ليس عندها من أدوات الحرب إلا الحماسة لا تستطيع أن ترد جيشا غازيا. أصبح الاحتلال الفرنسي واقعا جديدا في سوريا، وغدا حلم الدولة المستقلة أثراً بعد عين، وكما حدث في كل بقاع العالم الإسلامي كان العلماء رأس الحربة قي مواجهة المحتل وتولى الشيخ بدر الدين الحسيني شيخ العلماء في مدن سوريا قيادة ثورة العلماء الذين جابوا البلاد يحرضون ضد المستعمر، فخرجت الثورة من غوطة دمشق وكانت المظاهرات تخرج من الجامع الأموي عقب صلاة الجمعة فيتصدى لها جنود الاحتلال بخراطيم المياه ثم بالرصاص، والشاب علي الطنطاوي في قلب من تلك الأحداث.ـ خطيب المقاومة في أحد الأيام كان على موعد لصلاة الجمعة في مسجد القصب في دمشق فقال له أصحابه: إن المسجد قد احتشد فيه جمهور من الموالين للفرنسيين واستعدوا له من أيام وأعدوا خطباءهم فرأينا أنهم لا يقوى لهم غيرك، فحاول الاعتذار فقطعوا عليه طريقه حين قالوا له إن هذا قرار الكتلة ((كان مقاومو الاحتلال ينضوون تحت لواء تنظيم يسمى الكتلة الوطنية وكان الطنطاوي عضوا فيها)) فذهب معهم وكان له صوت جهور، فقام على السّدة مما يلي ((باب العمارة)) ونادى: إليّ إليّ عباد الله، وكان نداء غير مألوف وقتها، ثم صار ذلك شعاراً له كلما خطب، فلما التفوا حوله بدأ ببيت شوقي:ـ وإذا أتونا بالصفوف كثيرة * * * جئنا بصف واحد لن يكسرا وأشار إلى صفوفهم المرصوصة وسط المسجد، وإلى صف إخوانه القليل، ثم راح يتحدث على وترين لهما صدى في الناس هما الدين والاستقلال، فلاقت كلماته استحساناً في نفوس الحاضرين، وأفسدت على الآخرين أمرهم، وصرفت الناس عنهم. ولما خرج تبعه الجمهور وراءه، وكانت مظاهرة للوطن لا عليه.ـ في 1928 دعاه خاله محب الدين الخطيب للقدوم إلى مصر وكان قد أصدر مجلة "الفتح" قبل ذلك بعامين فسافر علي الطنطاوي إلى مصر للدراسة في كلية دار العلوم، لكن المناخ الثقافي في مصر في ذلك الحين شده للانخراط في العمل الصحفي الذي كان يشهد معارك فكرية وسجالات أدبية حامية الوطيس حول أفكار التقدم والنهضة والإسلام والاستعمار وغيرها ويعد الشيخ علي الطنطاوي أحد رموز الدعوة الإسلامية الكبيرة في العالم الإسلامي وشخصية محببة ذائعة الصيت نالت حظاً واسعاً من الإعجاب والقبول، وله سجل مشرف في خدمة الإسلام والمسلمين.ـ كان يتمتع بأسلوب سهل جميل جذاب متفرد لا يكاد يشبهه فيه أحد، يمكن أن يوصف بأنه السهل الممتنع، فيه تظهر عباراته أنيقة مشرقة، فيها جمال ويسر، وهذا مكّنه أن يعرض أخطر القضايا والأفكار بأسلوب يطرب له المثقف، ويرتاح له العامي، ويفهمه من نال أيسر قسط من التعليم.ـ اشتهر الشيخ الطنطاوي بسعة أفقه وكثرة تجواله وحضور ذهنه وذاكرته القوية ولذلك تجيء أحكامه متسمة بصفة الاعتدال بعيدة عن الطرفين المذمومين: الإفراط والتفريط.ـ وقد كتب في صحف بلده في الشام، فاحتل مكانة مرموقة فيها، ثم أضحى من كبار الكتاب، يكتب في كبريات المجلات الأدبية والإسلامية مثل "الزهراء" و "الفتح" و "الرسالة" و "المسلمون" و "حضارة الإسلام" وغيرها، وكانت له زوايا يومية في عدد من الصحف الدمشقية.ـ ومن المجالات التي سبق إليها الكتابة في أدب الأطفال والمشاركة في تأليف الكتب المدرسية. وتحقيق بعض كتب التراث، وله جولات في عالم القصة فهو من أوائل كتابها.ـ كانت مساجلاته تملأ الأوساط الفكرية والأدبية طولاً وعرضاً، وكان لا يكف عن إصدار رسائله التي يحذر فيها من مغبة الانخداع بالنحل الباطلة.ومن طريف ما تعرض له في إحدى مساجلاته ما يرويه عن نفسه ((كنا يوما أمام مكتبة "عرفة" فجاء رجل لا يعرفه فاندس بيننا وحشر نفسه فينا، وجعل يتكلم كلاما عجيبا، أدركنا منه أنه يدعو إلى نحلة من النحل الباطلة، فتناوشوه بالرد القاسي والسخرية الموجعة، فأشرت إليهم إشارة لم يدركها: أن دعوه لي، فكفوا عنه وجعلت أكلمه وأدور معه وألف به، حتى وصلت إلى إفهامه أني بدأت أقتنع بما يقول، ولكن مثل هذه الدعوة لا بد فيها من حجة أبلغ من الكلام، فاستبشر وقال: ما هي؟ فحركت الإبهام على السبابة، وتلك إشارة إلى النقود. قال: حاضر، وأخرج ليرتين ذهبيتين يوم كانت الليرة الذهبية شيئاً عظيماً. مد يده بالليرتين فأخذتهما أمام الحاضرين جميعاً، وانصرف الرجل بعد أن عرفنا اسمه، فما كاد يبتعد حتى انفجرت الصدور بالضحك، وأقبلوا عليّ مازحين، فمن قائل شاركنا يا أخي، وقائل: اعمل بها وليمة، أو نزهة في بستان، قلت سترون ما أنا صانع، وذهبت فكتبت رسالة، تكلمت فيها عن الملل والنحل والمذاهب الإلحادية، وجعلت عنوانها "سيف الإسلام" وكتبت على غلافها "طبعت بنفقة فلان" باسم الرجل الذي دفع الليرتين، وبلغني أنه كاد يجن ولم يدر ماذا يفعل، ولم يستطع أن ينكر أمراً يشهد عليه سبعة من أدباء البلد، وقد بلغني أن جماعته قد طردته بعد أن عاقبته)).ـ كما كان داعية شجاعاً ثابتاً على مبدئه لا يلين، ولا يهادن، كما يقتحم الأهوال، وينازل الرجال، يلج عرين الآساد، وربما عرض نفسه –باختياره- لمخالب تمزق جلد التمساح، كل ذلك في سبيل إيمانه بفكرته الإسلامية، والتضحية من أجل إعلائها مهما كان الثمن.ـ وقد ترك الشيخ علي الطنطاوي أثراً كبيراً في الناس وساهم في حل مشكلاتهم عن طريق كتابته ورسائله وأحاديثه، وقد كان له دور طيب في صياغة قانون الأحوال الشخصية في سوريا، وهو واضع مشروع هذا القانون على أسس الشريعة الإسلامية، كما وضع قانون الإفتاء في مجلس الإفتاء الأعلى، وانتخب عضواً في المجمع اله هذا ذكره بين الناس. نقلاً عن مجلة الاسرة ولنا عودة لاستكمال الحديث والوقوف على مختارات من آثاره الأدبية الحية |
الذكريات للشيخ علي الطنطاوي يرحمه الله http://www.alnoor-world.com/Ali/ali.gif كان بردى يخطو على مهل، يرد على الشمس الوليدة أول تحياتها، وهي تغمره برشاش من عطر أشعتها الحمراء، وكنت في السيارة الضخمة والرفاق، الذين خرجوا من بيوتهم في هذا الصباح قبل نزوحي إلى العراق، فأقلب النظر في وجوههم شاكراً لهم فضلهم، حزيناً لفراقهم ثم أتأمل بردى، صديق الصبا وسمير الوحدة، ونجي النفس، فأبصر في خلاله ظلال الحوار والصفصاف، تميس دلالاً وتيهاً، وأرى ظلال المآذن البعيدة السامقة تظطرب في الماء فأبصر فيها ذكرياتي حية تطالعني وتحدثني، وتعيد على مسمعي قصة حياتي، وتتلو علي تاريخي، فأحس بلوعت الفراق، وأشعر في تلكه الساعة بأني أحب دمشق... دمشق مثوى ذكرياتي، ودنياي وديني، وغاية أملي في حياتي، ثم يطوي المرج هذا الصوت كله، ولا يدع حيال عيني إلا صور إخوتي، فأتأملها بعين دامعة، وقلب جاف من الفراق، ثم تجتمع كلها بعين واحدة، هو أحب الوجوه إلي وأدناها إلى قلبي... وألمح في الماء مشهداً طال عليه العهد ونأى به الزمان، فأراه ينفض عنه غبار السنين العشر، ويعود حياً جديداً... رأيتني في محطة الحجاز (محطة القطارات الرئيسة في دمشق)، آية الفن الحديث في دمشق، والمحطة مائجة بأهلها كما يموج البحر بمياهه، فمن مسافر عجل، ومن مودع باك، ومن و من بائع يصيح... ومن آت وذاهب، وطالع ونازل.. وكنت منزوياً في ركن من أركان القطار المسافر إلى حيفا (ميناء بفلسطين)، وإلى جانبي أختي الصغيرة. أنظر إلى بعيد، فأرى هناك في أخريات الناس امرأة تمسك بطفلين، متلفعة بملاءة لا تبدي منها شيئاً، ولكن وراء هذا القناع الأسود عينان تفيضان بالدموع، عالقتين بمكاننا في القطار، وخلال تلك الدموع قلباً يخفق شوقاً ويسيل دمعاً، ووراء هذه الوقفة الساكنة ناراً تظطرم في الجوف، وزلزالاً شديد يدك نفسه دكاً. وصفر القطار الذي يحملنا إلى مصر، فازداد القلب خفقاناً، ثم قذف إلى الجو بدخانه، كأنما هو حي قد أخذ بموقف الوداع، فزفر زفرة الحب الدفينة، والألم الحبيسة، ثم هدر وسار، وراحت المحطة تبتعد عنا، وعيني بيد تلك المرأة التي تلوح لي بمنديل أبيض حتى غاب عني كل شئ، هناك تلفت فرأيتني وحيداً، ورأيت القطار يجد لينأى بي عن أهلي وبلدي، فهممت بإلقاء نفسي من نافذة القطار - لولا أن تعلقت بي أختي التي كانت على صغرها أكبر مني، وعلى أنوثتها أقوى وأجلد... أردت أن ألقي بنفسي لأني لم أكن أتخيل أن في استطاعتي الحياة يوماً واحداً بعيداً عن أمي التي كانت تعلقها بنا، وتعلقنا بها لا يشبه ما نرى من الأمهات والأبناء، وكان... آه وماذا تفيد كان، وقد كان ما كان. تلك هي أمي، التي مر على (غيابها) عني سنوات طويلة، ولكني أحس كأن الحادثة كانت أمس، فتحز في نفسي ولا أطيق أن أكتب عنها حرفاً. تلك هي أمي التي كانت لي أماً وأباً، بعد أبي رحمه الله، وكانت حبيبةً، وكانت أستاذةً ، وكانت دنياي، وكانت آخرتي... وكانت أمي، تلك هي أمي التي فوجئت كما تفاجأ الشجرة الغضة الفينانة في ربيعها الزاهر، حين تعصف بها العاصفة فتدعها جذعاً مقطوعاً جافاً. تلك هي أمي التي ما نسيتها - علم الله – أبداً، ولم أذكرها أبداً، إنها تملأ نفسي، ولكني لا أجري ذكرها على لساني، أراها في أحلامي حيةً فأشعر كأني عدت حياً، وأهم بعناقها وأفتح عيني فأجد على وجهي حر لطمة الدهر الساخرة، ولكني أحمل اللطمة، وأغضي على القذى (أسكت على الذل)، ولا أخبر أختي بشيء، لئلا أذكرهم ما هم ناسون، أو أجدد لهم بالمصيبة عهداً، فأهمل ذكرى أمي ويهملونها... ولعل كل واحد منهم يحس مثلما أحس ويكتم مثلما أكتم. ذكرت ذلك ساعة الوداع، لأني كنت متألماً، وليس لآلامي كلها إلا معناً واحد هو أني أذكر وفات أمي، ذلك هو الألم عندي لا ألم سواه. فلما صحوت نظرت في وجوه المودعين، فلمحت وجه أمي مرة ثانية ولكني لمحته حياً ماثلاً في وجوه إخوتي الأحباء، فودعته بدمعة من العين، وابتسامة على فم، وإشارة بالكف، ثم سارت بنا السيارة تطوي الأرض، وتستقبل الصحراء |
(*) ..نظــــــــــــــرات في أدب علي الطنطاوي رحمه الله إن أدب الطنطاوي يرتكز على محاور عدة جعلت منه أديبا محلقا يرفرف في سماء الأدب العربي هذه المحاور لم تأت في أدب الشيخ علي الطنطاوي اعتباطا، وإنما هي تعكس مقدرة الشيخ البيانية والأدبية والثقافية والتاريخية كذلك والدينية . وبما أن الأدب لابد له من قالب يصاغ فيه يرتكز على اللغة والأسلوب فإن أول ما أبدأ به هو : لغة الشيخ علي الطنطاوي في أدبه من السهل الممتنع، تقرؤه فتفهمه ويطربك، وتظن أنك قادر على صياغة مثله حتى إذا أمسكت القلم وشرعت في الكتابة بتلك الروعة والسهولة ندّ منك وتملّص. كما إنها لغة قريبة إلى النفس تمتاز بأجراس صوتية عذبة فلا خشن ولاغريب ولا نفور ولا تعقيد و لأن الشيخ ذو ثقافة لغوية واسعة فهو يجد لكل فكرة في رآسة لفظة في معجمه اللغوي أي أن عدة الأديب لا تنقصه بل إنه أحيانا يبتكر بعض الأساليب ويطرح بعض الصور الجديدة .أما أسلوبه فان أديبا هذه لغته فلا شك أن أسلوبه سيكون في حجم لغته فهو أسلوب سهل لذيذ , كل لفظة تنقل القارئ إلى اللفظة التي بعدها .. وهكذا حتى تصل إلى النهاية وأنت تقول هل من مزيد؟ . كما تمتاز لغته بأنها لغة تصويرية، أي أن الكلمة هي أشبه ما تكون بكاميرا لاقطة مصورة، تلتقط ما حولها لتبرزه أمام القارئ مع زيادة في الحسن والتألق وإضافة في البيان والتقريب، يقول في كتابة هتاف المجد: (إن النهار لنا , لقد أذن مؤذن النهضة فينا : حي على الفلاح , فقمنا وصاحت ديكة الفجر تطرد بقايا النوم من عيون الزهر . والمستقبل لنا الذين أدركوا أن لهم أجنحة النسر الذي خلق ليضرب في كبد السماء مشرقا يحدّق في عين الشمس، لا لمن يطير بجناحي دجاجة , يلتقط باقيا مائدة الغرب من مز ابل الحياة .للذين عرفوا أنّهم حملة رسالة الله الأخيرة إلى الدنيا،فاستعدوا ليكونوا أئمة الدنيا للذين حقروا الأرض وما فيها ،وطمحت بهم هممهم ليسيروا على درب المجرة الذي فرشت أرضه بالنجوم , ليصلوا بقلوبهم إلى الله و أدب الشيخ علي الطنطاوي لا يغفل الخيال، بل هو يجنح له كثيرا ولكن خيال لا مبالغة فيه ولا إفراط , إنما خيال جمالي لا غنى للأدب عنه وبدونه لا يمكن أن تقرأ قطعة أدبية، وهو من يفترض وقوع أحداث ربما لم تقع ولكن السياق يفرضها ويدل عليها . فهو يصنع من السطرين اللذين يجدهما في أسفار التاريخ قصة أدبية رائعة لا تشعر فيها بخلل ولا مبالغة بل يتخيل الأحداث من واقع السطرين اللذين قرأهما , فلا تشعر أن خياله أقحم في القصة وكأنّ الأحداث التي تصوّرها في أجزاء القصة وقعت كما هي ! وهذه حاسة سادسة تظهر تأثّره الكتابي بالمنفلوطي الأديب البارع , وكتابه قصص من التاريخ شاهد على هذا الخيال الجمالي الرائع ولا سيما قصة معلم الصبيان والتي تتحدث عن الحجاج حيث ربت على خمسة عشر صفحة من ثلاث أسطر تاريخية , لكن القارئ إذا خاض غمار القصة شعر أن الكاتب لم يدخل بقلمه وإنما روى ما وقع دون زيادة أدبية . يقول في قصة ابن الحب ( ومن حّرم الكلام في الحب والله الذي أمال الزهرة على الزهرة حتى تكون الثمرة , وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشا البيضة وأدنى الجبل من الجبل حتى يولد الوادي ولوي الأرض في مسارها إلى الشمس حتى يتعاقب الليل والنهار وهو الذي ربط حب القلب بالقلب يأتي الولد ولولا الحب ما التف الغصن في الغابة النائية ولا عطف الظبي على الظبية في الكناس البعيد ولا حنى الجبل على الرابية الوا دعة ولا أمد الينبوع الجدول الساعي نحو البحر . ولولا الحب مابكى الغمام لجدب الأرض ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع ولا كانت الحياة ). إن الأديب الحق هو الذي يخاطب عقل قارئه كما يخاطب عاطفته فلا بد من وضع الأمرين في كفتين متوازيتين , ولو قلنا أن الأدب لا يعتمد اعتمادا كليا على العقل لان العقل يميل إلى التقرير المباشر والأدب بعيد عن هذين الامرين، إنما يعتمد على إثارة المشاعر وتحريك العواطف، لكن الشيخ علي الطنطاوي لم يغفل جانب العقل بل إن صوره الفنية في مقالاته الإصلاحية التي تحتاج إلى إقناع كثيرا ما ترتكز على الحجة والبرهان العقلي كتصويره مثلا المستقبل بحزمة الحشيش المربوطة أمام الفرس، هي تسير وهو يسير فلا تبعد عنه ولا يصل إليها، وهو تصوير رائع قائم على حجة عقلية مقنعة , وهي أن المستقبل لا يوصل إليه، لأنه يستحيل إلى حاضر, وغير هذا كثير في مقالات الشيخ الأديب الطنطاوي وتتجلى هذه كثيرا في كتابه ( مع الناس) يقول: ((...وليس في الدنيا أحد لا يجد من هو أفضل منه في شيء, ومن هو أقل منه في أشياء . إن كنت فقيرا ففي الناس من هو أفقر منك وإن كنت مريضا أو معذبا ففيهم من هو أشد منك مرضا، فلماذا ترفع رأسك لتنظر من هو فوقك ولا تخفضه لتنظر من هو تحتك , إن كنت تعرف من نال من المال والحياة ما لم تنله أنت، وهو دون ذكاء ومعرفة وخلقا,فلِم لا تذكر من أنت دونه أو مثله في ذلك كله , وهو لم ينل بعض ما نلت؟ وفلسفة الرزق أدق من أن تدرك، وأبعد من أن تنال , وأنظر إلى الناس ترى منهم الغواصين الذين جعل الله خبزهم وخبز عيالهم في قرارات البحار فلا يصلون إليه حتى ينزلوا إلى أعماق الماء، والطيارين الذين وضع خبزهم فوق السحاب فلا يبلغونه حتى يصعدوا إلى أعالي الفضاء . ومن كان خبزه مخبوءا في الصخر الأصمّ فلا يناله إلا بتكسير الصخر )) وبما أن الأدب لا بد أن يؤثر في النفوس ويستدر عواطفها فقد جعلت العاطفة في الأدب مرتكزا أساسيا بدونه تكون الكتابة الأدبية حروفا وكلمات وعبارات بلا روح، فالعاطفة هي التي تسري في جسد القالب الأدبي فتكسبه التألق والتأثير في الآخرين . والشيخ علي الطنطاوي لم يغفل جانب العاطفة في أدبه فهي عاطفة حارة صادقة لا تشعر تجاهها بزيف ولا تكلف لأنها عاطفة الأديب المسلم الذي يرجو الخير لأمته والرقي لمجتمعه والسمو للفرد وهي عاطفة الأديب الذي يحترق بعيدا عن النور والأضواء مع أنه أحق من غيره بها، وهذه الأخيرة تتمثل في الزفرات التي كتبها وضم كتابه(( من حديث النفس)) زفرتين.. زفرة وزفرة أخرى (3)(4) فيها يشكو أهل الزمان ويشكو أرباب الثقافة وهم يقبلون على الغث ويمجدونه ويتركون الثمين ويطرحونه كما هو حال زماننا الآن!!، كما يشكو حاله مع النقاد الذين يهملون ما كتب، ويقبلون على ما عند غيره من الأدب . قلت : وقد أصاب الطنطاوي وهو يزفر تلك الزفرات، لأنه لا أتعس من أديب يكتب ويحلق ومن حوله يغضون أبصارهم وينكرون ما كتب!! فما أتعس الأديب الذي يعيش في أمة تهمله على ما عنده من الروعة والطموح كما عند الشيخ علي الطنطاوي الذي ضن عليه النقاد سابقا وحاضرا بلقب أدبي من سلة الألقاب التي توزعها أمتنا على من يستحق ومن لم يستحق . أحيانا يغلف الشيخ علي الطنطاوي هدفه الذي يسعى إليه في طرفة هادفة، ويقدمه لقارئه في قالب من السخرية فيجعل القارئ يغرق ضحكا وهو يقرأ أدبا ساخرا غير خال من هدف وهذا الأسلوب من شأنه الترويح على القارئ من السأم والملل والجدية . ومن هذه الطرف اقرأ مقالته ( أعرابي في سينما ) في كتابه صور وخواطر . أدب بلا هدف، كلمات مصفّفة وعباراتٌ منمقة جوفاء ،.وفرق بين أديب يكتب من أجل أن يكتب فقط وأديب يكتب من أجل أن يبني . وأديبنا الطنطاوي لا يكتب لأجل الكتابة , وإنما ليشيد صرحا للأمّة شامخا وليبني الأفراد والمجتمع على أساس من الأيمان والتقوى والفضائل الحسنة فهو عالم نفس يعالج ويقنن ويسبر ردود فعل النفس واستجابتها وما يثيرها ! وهو عالم اجتماع يحلل مشكلات الأسر والمجتمعات يبسط أسبابها ويضع حلولها . وهو شيخ فاضل يوجه ويرشد، وناقد ومبدع يؤسس قواعد نقدية ويحلّل نصوصا أدبية. وهو أيضا كاتب وروائي وقاص يملك أدوات الأديب المكتمل غير أنه ليس بشاعر ولا فرق بينه وبين الشاعر إلا الوزن الذي هو العمود الفقري للشعر وما عدا ذلك فكل ما عند الشاعر عنده بل أوضح بيانا وأقوى لغة . وكل هذا السبيل التي يسلكها الأديب الطنطاوي إنما تصب في طريق واحد وهدف سام هو بناء الفرد والمجتمع على أسس من الفضيلة والأيمان بالله والاعتزاز بالدين وبالشخصية الإسلامية ((منقول)) |
يسرى الرائعة ...
سلسلة رائعة وموضوع مميز ... وصفحة تثري معلوماتنا للغاية ننتظر المزيد سأبدأ بالقراءة الآن ... :) |
مرحباً بكِ رشا اطلالة مقدرة من انسانة كريمة مثلك |
شيــخ في المرقص بقلم : الشيخ علي الطنطاوي كان في حارتنا مسجد صغير يؤم الناس فيه شيخ كبير في السن وذات يوم التفت الشيخ الى المصلين وقال لهم ما بال أكثر الناس خاصة الشباب لا يقربون المسجد ولا يعرفونه ، فأجابه المصلون إنهم في المراقص والملاهي قال الشيخ ماهي المراقص والملاهي ؟ فرد عليه أحد المصلين وقال المرقص صالة كبيرة فيها خشبة مرتفعة تصعد عليها الفتيات عاريات أو شبه عاريات يرقصن والناس حولهن ينظرون اليهن. قال الشيخ : والذين ينظرون اليهن من المسلمين ، قالوا نعم ، قال لا حول ولا قوة إلا بالله يجب أن ننصح الناس ، قالوا له يا شيخ أتعض الناس وتنصحهم في المرقص ، فقال نعم هيا بنا الى تلك المراقص فحاولوا أن يثنوه عن عزمه وأخبروه أنهم سيواجهون بالسخرية والاستهزاء وسينالهم الاذى ، فقال وهل نحن خير من محمد صلى الله عليه وسلم وأمسك الشيخ بيد أحد المصلين ليدله على المرقص ، وعندما وصلوا اليه سألهم صاحب المرقص ماذا تريدون؟ قال الشيخ: نريد أن ننصح من في المرقص ، تعجب صاحب المرقص وأخذ يمعن النظر فيهم ورفض السماح لهم فأخذوا يساومونه ليأذن لهم حتى دفعوا له مبلغ من المال يعادل دخله اليومي ، فوافق صاحب المرقص وطلب منهم أن يحضروا في الغد عند بدأ العرض اليومي! قال الشاب : فلما كان الغد كنت موجودا في المرقص ، فبدأ الرقص من أحدى الفتيات فلما إنتهت ،أسدل الستار ، ثم فتح فإذا بشيخ وقور يجلس على كرسي ، فبدأ بالبسملة والحمدلله والثناء عليه وصلى على الرسول عليه الصلاة والسلام ثم بدأ في وعظ الناس الذين أخذتهم الدهشة ، وتمالكهم العجب ، وظنوا أن ما يرونه هو فقرة فكاهية ، فلما عرفوا أنهم أمام شيخ يعظهم ، فأخذوا يسخرون منه ويرفعون أصواتهم بالضحك ، والاستهزاء وهو لا يبالي بهم ، واستمر في نصحه ووعظه حتى قام أحد الحضور وأسكت الناس وطلب منهم الانصات لما يريد قوله ذلك الشيخ فبدأ السكون والهدوء يخيم على أنحاء المرقص ، حتى أصبحنا لا نسمع إلا صوت الشيخ ، فقال كلاماً ما سمعناه من قبل ، تلى علينا آيات من القرآن الكريم ، وأحاديث نبوية وقصص لتوبة بعض الصالحين ، وكان مما قاله ، يا أيها الناس إنكم عشتم طويلا وعصيتم الله كثرا ، فأين ذهبت لذة المعصية لقد ذهبت اللذة وبقيت الصحائف سوداء ، ستسألون عنها يوم القيامة ، وسيأتي يوم يهلك فيه كل شيء إلا الله سبحانه وتعالى ، يا أيها الناس هل نظرتم الى اعمالكم والى أين ستؤدّي بكم إنكم لا تتحملون النار في الدنيا وهي جزء من سبعين جزاء من نار جهنم ، فبادروا بالتوبة قبل فوات الاوان ، فبكا الناس جميعاً ، وخرج الشيخ من المرقص وخرج الجميع وراءه ، وكانت توبتهم وتوبتي اناأيضاً على يد ذلك الشيخ ، حتى صاحب المرقص . |
بقلم : الشيخ علي الطنطاوي قال لي شيخ من المشايخ المتزمتين، وقد سقط إليه عدد من الرسالة، فيه مقالة لي في الحب مالك والحب، وأنت شيخ وأنت قاض، وليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب، أو يعرضوا للغزل؟! إنما يليق ذلك بالشعراء، وقد نزه الله نبيّه عن الشعر، وترفع العلماء وهم ورثة الأنبياء عنه، وصرح الشافعي أنه يزري بهم، ولولا ذلك كان أشعر من لبيد فضحكت، وقلت له أما قمت مرة في السحر، فأحسست نسيم الليل الناعش، وسكونه الناطق... وجماله الفاتن، فشعرت بعاطفة لا عهد لك بمثلها، ولا طاقة لك على وصفها؟ أما سمعت مرة في صفاء الليل نغمة عذبة، من مغنّ حاذق قد خرجت من قلبه، فهزّت منك وتر القلب، ومسّت حبّة الفؤاد؟ أما خلوت مرة بنفسك تفكر في الماضي فتذكر أفراحه وأتراحه، وإخوانا كانوا زينة الحياة فطواهم الثرى، وعهدا كان ربيع العمر فتصرم الربيع، فوجدت فراغا في نفسك، فتلفت تفتش عن هذا الماضي الذي ذهب ولن يعود؟ أما قرأت مرة قصة من قصص الحب، أو خبراً من أخبار البطولة فأحسست بمثل النار تمشي في أعصابك، وبمثل جناح الطير يخفق في صدرك؟ أما رأيت في الحياة مشاهد البؤس؟ أما أبصرت في الكون روائع الجمال؟ فمن هو الذي يصور مشاعرك هذه؟ من الذي يصف لذائذك النفسية وآلامك، وبؤسك ونعماءك؟ لن يصورها اللغويون ولا الفقهاء ولا المحدثون، ولا الأطباء ولا المهندسون. كل أولئك يعيشون مع الجسد والعقل ، محبوسين في معقلهما، لا يسرحون في فضاء الأحلام، ولا يوغلون في أودية القلب، ولا يلجون عالم النفس... فمن هم أهل القلوب؟ إنهم الشعراء يا سيدي، وذلك هو الشعر!ـ إن البشر يكدّون ويسعون، ويسيرون في صحراء الحياة، وقيد نواظرهم كواكب ثلاثة، هي هدفهم وإليها المسير، ومنها الهدي وهي السراج المنير، وهي الحقيقة والخير والجمال، وإن كوكب الجمال أزهاها وأبهاها، إن خفي صاحباه عن بعض الناس فما يخفى على أحد، وإن قصرت عن دركهما عيون فهو ملء كل عين، والجمال بعد أسّ الحقائق وأصل الفضائل، فلولا جمال الحقيقة ما طلبها العلماء، ولولا جمال الخير ما دعا إليه المصلحون. وهل ينازع في تفضيل الجمال إنسان؟ هل في الدنيا من يؤثر الدمنة المقفرة على الجنة المزهرة؟ والعجوز الشوهاء على الصبية الحسناء؟ والأسمال البالية على الحلل الغالية؟ فكيف يكون فيها من يكره الشعر (أعني الشعر الحق، الذي يجمع سمو المعنى، وموسيقى اللفظ، لا هذا الهذيان الذي نقرؤه الآن -الذي يدعونه الشعر الحديث- شعر الحدأثة أي الحدث الأكبر الذي لا يتطهر منه صاحبه إلا بالغسل)، وهو جمال القول، وفتنة الكلام؟ وهو لغة القلب فمن لم يفهمه لم يكن من ذوي القلوب. وهو صورة النفس، فمن لم يجد فيه صورته لم يكن إلا جماداً. وهو حديث الذكريات والآمال، فمن لم يذكر ماضيا، ولم يرج مستقبلا، ولم يعرف من نفسه لذة ولا ألما، فليس بإنسان إنه شاعر" لأن الشاعر يأتيه الوحي من داخل نفسه، والنبي يجيئه من السماء، وهذا الذي لم تدركه العرب، فقالوا قولتهم التي ردها الله عليهم!.ـ وأين وجدت حرمة الشعر، أو مذمته من حيث هو كلام جميل، يصف شعورا نبيلا؟ إنما يقبح إذا اشتمل على الباطل، كما يقبح كل كلام يشتمل عليه.ـ ومن أين عرفت أن العلماء قد ترفعوا عنه، والكتب مملوءة بالجيد من أشعارهم، في الحب والغزل ووصف النساء؟ يتبع |
أو ما سمعت بأن النبي صلى الله عليه وسلم أصغى إلى كعب وهو يهدر في قصيدته التي يتغزل فيها بسعاد… ويصفها بما لو ألقي عليك مثله لتورّعت عن سماعه… وتصاممت عنه ، وحسبت أن التقى يمنعك منه وذهبت تلوم عليه، وتنصح بالإقلاع عن قائله...ـ وما سعاد غدة البين إذ برزت * * * كأنها منهل بالـراح معلـول هيفـاء مقبلة عجـزاء مدبرة * * * لا يشتكي قصر منها ولا طول وأن عمر كان يتمثّل بما تكره أنت.. من الشعر، وأن ابن عباس كان يصغي إلى إمام الغزلين عمر بن أبي ربيعة، ويروي شعره؟ وأن الحسن البصري كان يستشهد في مجلس وعظه، بقول الشاعر:ـ اليوم عندك دلها وحديثها * * * وغدا لغيرك كفها والمعصم وأن سعيد بن المسيب سمع مغنيا يغني:ـ تضوع مسكا بطن نعمان إن مشت * * * به زينب في نسوة خفرات فضرب برجله وقال: هذا والله مما يلذ استماعه، ثم قال:ـ وليست كأخرى أوسعت جيب درعها * * * وأبدت بنـان الكف للجمـرات وعالت فتات المسد وخفـاً مرجّـلا * * * على مثل بدر لاح في الظلمات وقامت تراءى يـوم جمـع فأفتنت * * * برؤيتها من راح من عرفـات فكانوا يرون هذا الشعر لسعيد بن المسيب!.ـ وما لي أدور وأسوق لك الأخبار، وعندنا شعراء كان شعرهم أرق من النسيم إذا أسرى، وأصفى من شعاع القمر، وأعذب من ماء الوصال، وهم كانوا أئمة الدين وأعلام الهدى.ـ هذا عروة بن أذينة الفقيه المحدث شيخ الإمام مالك يقول:ـ إن التي زعمـت فـؤادك ملها * * * خلقت هواك كما خلقت هوى لها فبك الذي زعمـت بها وكلاكما * * * يبدي لصاحبه الصبـابـة كلها ويبيت بين جوانحي حـبٌّ لهـا * * * لو كان تحـت فراشهـا لأقلها ولعمرها لو كان حبـك فوقها * * * يوماً وقد ضحيـت إذن لأظلهـا وإذا وجدت لها وساوس سلـوة * * * شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها بيضاء باكرها النعيـم فصاغها * * * بلبـاقـة فـأدقهـا وأجلهـا منعـت تحيتها فقلـت لصاحبي * * * ما كان أكثـرها لنـا وأقلها فدنا فقـال ، لعلهـا معـذورة * * * من أجل رقبتها، فقلت : لعلها هذه الأبيات التي بلغ من إعجاب الناس بها أن أبا السائب المخزومي لما سمعها حلف أنه لا يأكل بها طعاما إلى الليل!.ـ وهو القائل، وهذا من أروع الشعر وأحلاه، وهذا شعر شاعر لم ينطق بالشعر تقليدا، وإنما قال عن شعور، ونطق عن ححب، فما يخفى كلام المحبين:ـ قالت ( وأبثثتها وجدي فبحت به ): * * * قد كنت عندي تحب السعر، فاستتر ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها: * * * غطى هواك وما ألقى على بصري هذا الشاعر الفقيه الذي أوقد الحب في قلبه نارا لا يطفئها إلا الوصال:ـ إذا وجدت أوار الحب في كبدي * * * عمدت نحو سقاء الماء أبترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره * * * فمن لحر على الأحشاء يتّقد!؟ وهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة الذين انتهى إليهم العلم، وكان عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته: لمجلس من عبيد الله لو كان حيا، أحب إلي من الدنيا وما فيها. وإني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع شدة تحريك وشدة تحفظك؟ قال: أين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه ونصيحته ومشورته على بيت المال بألوف وألوف. وكان الزهري يقول: سمعت من العلم شيئا كثيرا، فظننت أني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله فإذا كأني ليس في يدي شيء!.ـ وهو مع ذلك الشاعر الغزل الذي يقول:ـ شققت القلب ثم ذررت فيـه * * * هواك فليم فالتمام الفطور تغلغل حب عشمة في فؤادي * * * فباديه مع الخافي يسيـر تغلغل حيث لم يبلغ شـراب * * * ولا حزن ولم يبلغ سرور أفسمعت بأعمق من هذا الحب وأعلق منه بالقلب؟ ولم يكن يخفي ما في قلبه، بل كان إذا لقيه ابن المسيب فسأله: أأنت الفقيه الشاعر؟ يقول: "لا بد للمصدور من أن ينفث" فلا ينكر عليه ابن المسيب. وهو القائل:ـ كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم * * * ولامـك أقـوام ولومهـم ظلـم ونمّ عليـك الكاشحون و قبلهـم * * * عليك الهـوى قد نم لو نفع النم وزادك إغـراء بها طـول بخلها * * * عليك وأبلى لحم أعظمك الهـم فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة * * * على إثر هند أو كمن سقي السم ألا من لنفس لا تمـوت فينقضي * * * شقاها ولا تحيا حياة لها طعـم تجنبـت إتيـان الحبيـب تأثمـا * * * ألا إن هجران الحبيب هو الإثـم فـذق هجـرها إن كنت تزعم أنه * * * رشاد ألا يا ربما كذب الزعـم ألا إن هذا هو الشعر!.ـ واسمع يا سيدي أنشدك ما يحضرني من غزل الفقهاء، لا أستقصي ولا أعمد إلى الترتيب، وإنما أروي لك ما يجيئني، وما يدنو مني مصدره. هذا أبو السعادات أسعد بن يحيى السنجاري الفقيه الشافعي المتوفى سنة 622 هـ فاسمع من شعره ما ترقص منه القلوب، وتطرب الألباب: حلاوة ألفاظ، وبراعة معنى، وحسن أسلوب، قال من قصيدة له:ـ وهـواك ما خطر السلو ببالـه * * * ولأنـت أعلـم في الغـرام بحالـه ومتى وشى واش إليـك بأنـه * * * سـال هـواك فـذاك مـن عذالـه أوليس للكلـف المعـنى شاهد * * * من حالـه يغنيـك عـن تسـآلـه جددت ثوب سقامـة، وهتكـت * * * ستر غرامه، وصرمت حبل وصاله أفزلـة سبقـت لـه أم خلـة * * * مـألـوفـة من تيـهـه ودلالـه أوما سمعت شعر الشيخ الشهرزوري الصوفي هاك منه قوله:ـ فعاودت قلبـي أسأل الصبـر وقفـة * * * عليها فلا قلبي وجدت ولا صبري وغابت شموس الوصل عني وأظلمت * * * مسالكه حتى تحيـرت في أمري وهاك قول ظهير الدين الأهوازي الوزير الفقيه، تلميذ أبي أسحق الشيرازي:ـ وإني لأبدي في هواك تجلدا * * * وفي القلـب مني لوعة وغليل فلا تحسبن أني سلوت فربما * * * ترى صحة بالمرء وهو عليل يتبع |
وقول أبي القاسم القشيري الإمام الصوفي العلم:ـ لو كنت ساعة بيننا ما بيننا * * * ورأيت كيف تكـرر التوديعـا لعلمت أن من الدموع محدثا * * * وعلمت أن من الحديث دموعا والبيت الثاني من مرقصات الشعر.ـ وكان مع ذلك علامة في الفقه والتفسير والحديث ومن فقهاء الشافعية الكبار، وهو صاحب الرسالة التي يعتدها الصوفية ككتاب سيبويه عند النحويين، ولا ينصرف الإطلاق إلا لها، ومن شعره:ـ ومن كان في طول الهوى ذاق لذة * * * فإني من ليلي لها غير ذائق وأكثر شيء نلتـه من وصالهـا * * * أماني لم تصدق كخطفة بارق ومن شعر القاضي عبد الوهاب المالكي الفقيه المشهور المتوفى سنة 422 والمدفون في قرافة مصر، وصاحب الخبر المستفيض لما خرج من بغداد وخرج أهلها لوداعه وهم يبكون ويعولون وهو يقول: والله يا أهل بغداد، لو وجدت عندكم رغيفا كل يوم ما فارقتكم. ويقول:ـ سلام على بغداد في كل موطن * * * وحق لها مني سلام مضاعف فوا الله ما فارقتها عن قلى لها * * * وإني بشطي جانبيها لعـارف ولكنها ضاقـت علي بأسرهـا * * * ولم تكن الأرزاق فيها تساعف وكانت كخل كنت أهـوى دنوه * * * وأخلاقـه تنأى به وتخالـف ويقول فيها:ـ بغداد دار لأهل المـال طيبـة * * * وللمفاليس دار الضنك والضيق ظللت حيران أمشي في أزقتها * * * كأنني مصحف في بيت زنديق وهو معنى جيد وتشبيه عجيب. وهو القائل:ـ متى يصل العطاش إلى ارتواء * * * إذا استقت البحـار من الركايا ومن يثني الأصاغر عن مـراد * * * وقد جلس الأكابـر في الزوايا وإنَّ ترفـع الوضعـاء يومـا * * * على الرفعاء من إحدى الرزايا إذا استوت الأسـافل والأعالي * * * فقد طابـت منادمـة المنايـا ومن غزله الذي يتغزل فيه بلغة الفقه والقضاء، فيأتي فيه بالمرقص المطرب قوله:ـ ونائمة قبّلتها فتنبهت * * * وقالت تعالوا واطلبوا اللص بالحد فقلت لها إني (فديتـك) غاصـب * * * وما حكموا في غاصب بسوى الرد خذيهـا وكفي عن أثيـم ظلامـة * * * وإن أنت لم ترضي فألفا على العد فقـالت قصاص يشهد العقـل أنه * * * على كبد الجاني ألـذ من الشهـد فباتت يميني وهي هميان خصرها! * * * وباتت يساري وهي واسطة العقد فقـالت ألم تخبـر بأنـك زاهـد؟ * * * فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد وهاك القاضي الجرجاني مؤلف (الوساطة) علي بن عبد العزيز الفقيه الشافعي، الذي ذكره الشيرازي في طبقات الفقهاء صاحب الأبيات المعلمة المشهورة:ـ يقولون: لي فيـك انقباض، وإنما * * * رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم * * * ومن أكرمته عزة النفـس أكرما وما كل بـرق لاح لي يستفـزني * * * ولا كل من لاقيت أرضـاه منعما وإني إذا فاتني الأمـر لـم أبـت * * * أقلـب طـرفي إثـره متنـدمـا ولكنه إن جـاء عفـواً قبلـتـه * * * وإن مال لـم أتبعـه لولا وربمـا وأكرم نفسي أن أضاحك عابسـاً * * * وأن أتلقى بـالـمـديـح مذمما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * * * ولو عظمـوه في النفـوس لعَظّما ولكن أهانـوه فهـان ودنسـوا * * * محيـاه بالأطمـاع حتى تجهمـا أأشقى به غرساً وأجنيـه ذلـة؟ * * * إذن فاتباع الجهـل قد كان أحزما |
ويا ليت كل عالم ينقش هذه الأبيات في صدر مجلسه، وعلى صفحة قلبه، ويجعلها دستوره في حياته، وإمامه في خلائقه!.ـ والأبيات الأخرى:ـ وقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى * * * وما علموا أن الخضوع هو الفقر وبيني وبين المـال شيئان حرمـا * * * عليّ الغنى: نفسي الأبية والدهـر إذا قيل هذا اليسـر أبصـرت دونه * * * مواقف خير من وقوفي بها العسر وله في هذا المعنى الشعر الكثير الجيد، أما غزله فسهل حلو ومنه قوله:ـ ما لي وما لك يا فراق * * * أبداً رحيل وانطلاق يا نفس موتي بعدهـم * * * فكذا يكون الاشتياق وقوله:ـ قد بـرح الـحـب بمشتاقـك * * * فـأَوْلِهِ أحـسـن أخـلاقـك لا تجـفـه وارع لـه حـقـه * * * فـإنـه آخـر عـشـاقـك وهاك القاضي سوار (الأصغر) بن عبد الله من أهل القرن الثالث الذي يقول:ـ سلبـت عظامي لحمهـا فتركتهـا * * * عـوارى في أجلادهـا تتكسـر وأخليـت منهـا مخّهـا فكـأنهـا * * * أنابيب في أجوافها الريح تصفر إذا سمعـت باسم الفـراق ترعّدت * * * مفاصلها من هـول ما تتحـذر خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري * * * بلى جسـدي لكنني أتستـر وليس الذي يجري من العين ماءها * * * ولكنهـا روح تـذوب فتقطـر وهاك قاضي القضاة ابن خلكان المشهور، وكان يعشق ابن الملك المسعود بن المظفر، وكان قد تيمه حبه، قال القاضي التبريزي: كنت عنده في العادلية (دار المجمع العلمي اليوم) في بعض الليالي، فلما انصرف الناس من عنده قال لي: نم أنت ههنا. وألقى علي فروة، وقام يدور حول البركة، ويكرر هذين البيتين إلى أن أصبحنا فتوضأنا وصلينا، والبيتان هما:ـ أنـا والله هـالـك * * * آيس من سلامتي أو أرى القامة التي * * * قد أقامت قيـامتي ولما فشا أمره، منع الملك ابنه من الركوب، فاشتد ذلك على ابن خلكان، فكان مما قال:ـ إن لم تجودوا بالوصـال تعطفاً * * * ورأيتـم هجـري وفـرط تجنبي لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى * * * يوم الخميس جمالكم في الموكب لو كنت تعلم يا حبيـبي ما الذي * * * ألقـاه من كمـد إذا لم تركـب لرحمتني ورثيـت لي من حالة * * * لولاك لم يك حملهـا من مذهبي ومن البـلـيـة والرزية أنني * * * أقضي ولا تدري الذي قد حل بي* قسماً بوجهك وهو بـدر طالع * * * وبـلـيـل طرَّتك التي كالغيهـب لو لم أكن في رتبـة أرعى لها * * * العهـد القديـم صيانة للمنصب لهتكت ستري في هواك ولذ لي * * * خلـع العـذار ولو ألـح مؤنبي لكن خشيـت بأن يقول عواذلي * * * قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي ـ((*بل البلية والله أن يكون قاضيا ويعشق الغلمان، هذا مع الثقة بدينه، وأنه لا يطلب حراما ولا يأتيه مختارا -غفر له الله))ـ فارحم فديتك حرقة قد قاربت * * * كشف القناع بحق ذِيَّاك النبي لا تفضحن بحبك الصبَّ الذي * * * جرعته في الحب أكدر مشرب وله فيه شعر كثير جدا.ـ ومن شعر محمد بن داوود الظاهري، مؤلف كتاب (الزهرة) في الحب، وكان فقيها على مذهب أبيه داوود وكان شاعرا:ـ أنزه في روض المحاسن مقلتي * * * وأمنع نفسي أن تنال محرما وأحمد من ثقل الهوى ما لو أنه * * * يصب على الصخر الأصم تهدما ومن شعر أبي الفضل الحصكفي الفقيه الشافعي:ـ أشكو إلى الله من نارين: واحـدة * * * في وجنتيه وأخرى منه في كبدي ومن سقامين: سقم قد أحـل دمي * * * من الجفون وسقم حل في جسدي ومن نمومين: دمعي حين أذكـره * * * يذيع سري وواش منه بالرصـد ومن ضعيفين: صبري حين أبصره * * * ووده ويـراه النـاس طوع يدي ولو ابتغيت الاستقصاء، وتتبعت المراجع، لجمعت من غزل الفقهاء كتابا، فأين هذا مما يزعمون أن الفقهاء كرهوا الشعر، وتنزهوا عنه؟ أما إنها لم تفل ألسنة علمائنا، ولم تكل أقلامهم، ولم تخفت أصواتهم، إلا حين أضاعوا ملكة البيان، وزهدوا في الأدب، وحقروا الشعر... فهل لعلمائنا عودة إلى ما هم أخلق به، وأدنى إليه، وأقدر لو أرادوه عليه؟! مع الديانة والصيانة وأنهم (يقولون ما لا يفعلون) وما لا يدفع إلى ما يأباه الدين |
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يسرى يا صديقتي ماذا أقول لك ؟؟ لو تعلمين ما للشيخ من القدر عندي لعلمت قدر سعادتي بهذه الصفحات.. بوركت يمينك و أسأل الله تعالى أن يتغمد شيخنا بالرحمة و المغفرة و يجزيه خير الجزاء فقد و الله كان مثلا يحتذى و قدوة تقتدى في زمن عز فيه أن يجتمع الصدق و الحكمة و عذب البيان و سعة الأفق و رحابة الصدر و إخلاص العمل لله تعالى و براعة الدعوة بالموعظة الحسنة فلله دره و على الله أجره و لك كل الأمنيات بوركت |
أختي العزيزة صفاء (مسافرة) لاسمك من قلبك نصيب ولروحك نور جميل جزاك الله كل خير على دعواتك الطيبة وعلى سماء الوفاء سنظل نكتب بنجوم التقدير لكل الاستاذة الذين أزهرت لغتنا العربية بهم خيراً وجمالا |
| الساعة الآن 08:36 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط