منتديات مجلة أقلام - طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتـدى الشعـر المنثور (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=43)
-   -   طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=75178)

خلدون الدالي 25-11-2025 05:59 AM

طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي
 
أبحثُ عني..
لستُ في المرآة، ولستُ في الصورةِ المعلقةِ باعتزازٍ زائفٍ على الجدار.
أنا هناك..
في الزقاقِ الضيقِ الذي تفوحُ منه رائحةُ الطينِ والخبزِ المحترق،
حيثُ الطفلُ الذي كنتهُ يركضُ حافياً،
مطارداً طائرةً ورقيةً صنعها من دفاترِ الحساب،
ليحسبَ كم تبعدُ الغيمةُ عن سقفِ بيتنا الواطئ.

أتذكرُ جيوبي جيداً..
كانت مثقوبةً دائماً،
لا لتهربَ منها النقودُ القليلة،
بل لأسكبَ منها الرملَ الذي جمعتهُ من شاطئِ الأحلام.
كنتُ أظنُّ أنني إذا ملأتُ جيوبي بالحصى،
سأصبحُ ثقيلاً ولن تقتلعني الريح.
لكنني كبرتُ..
وأصبحتُ خفيفاً كشريطةِ دخان.

أمي.. تلك القديسةُ التي لا تقرأ ولا تكتب،
كانت تقرأ وجهي بمهارةِ عرافة.
كلما عدتُ بقميصٍ ممزقٍ من معركةٍ مع أولادِ الجيران،
كانت ترتقُ الثقبَ بدمعها وخيطٍ أسود،
وتهمسُ: "ستكبرُ يا بنيّ.. وتتمزقُ روحكَ، فمن سيرتقها؟".

لعبنا "الغميضة" ذات ظهيرة..
أغمضتُ عينيَّ وتواريتُ خلفَ شجرةِ التوت،
انتظرتُ طويلاً أن يعثرَ عليَّ أحد..
انتظرتُ حتى سقطتِ الأوراقُ، وشاخَ الجذع، وتغيرتِ الحكومات.
يبدو أنني اختبأتُ جيداً..
جيداً جداً..
لدرجةِ أنني أضعتُ نفسي،
وما زلتُ حتى هذه اللحظة،
أبحثُ عن ذلك الولدِ المختبئِ خلفَ الشجرة،
لأخبرهُ أن اللعبةَ انتهت،
وأنَّ الجميعَ عادوا إلى بيوتهم.. إلا هو.

يا ليتني بقيتُ صغيراً..
أرسمُ شمساً بقطعةِ فحمٍ على الرصيف،
وأصدقُ أنها ستدفئني في الشتاء.
الآن..
أنا أرسمُ أبواباً كثيرةً على الورق،
لكنني لا أملكُ مفتاحاً واحداً.

ناظم العربي 05-12-2025 08:24 AM

رد: طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي
 
الله الله
شغفت بهذا النص
وليس مهناك مايقال وقد قلت الكثير
ممتن لك أخي خلدون ولهذا النص- التحغة

راحيل الأيسر 08-12-2025 02:52 PM

رد: طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي
 
النص الذي تخرج منه وأنت تشعر بهزة لامست عمقك المتصدع ذات وجع ،
واهتزت منه أوتار روحك كعازف ماهر أتقن تمرير ريشه بمهارة عليها ، فشعرت من شدة الجمال الآسر أنك تكاد تذوب وجعا أو انسجاما لا فرق ..
إلا أن ثمة صوت عذب للحروف حركت القلب
وثمة أغصان للكلمات تهدل الحمائم فيها ، وتتغنى عليها العنادل فتتمايد النفس طربا أو ألما أو حنينا للخوالي من الأزمان ..
وأن للمعاني التي تحظى برعاية الشاعر وتشذيبه أفياء تمتد من روحه إلى قلب متلق يروم دعة ورواحا من شظف الحياة ولفحها ..


حرفك الهادئ استراحة تحت دوح ظليل في يوم قائظ ..
وإغفاءة من الهجير حتى الرواح وتسابيح الطيور تتعالى بين أفياء وأفنان ..

أستاذنا الشاعر / خلدون الدالي


تحيتي وتقديري
النص للتثبيت استحسانا ..

المختار محمد الدرعي 08-12-2025 08:28 PM

رد: طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي
 
تقوم القصيدة على نوستالجيا الطفولة بوصفها الملاذ الأصدق للذات، مقابل حاضرٍ هشٍّ وممزّق. الشاعر لا يبحث عن “أنا” متخيَّلة في المرآة أو الصورة، بل عن ذاته الأولى في الزقاق، في الطين، في الطائرة الورقية، أي في البراءة والفقر والحلم البسيط.

الصور الشعرية عميقة وشفافة في آنٍ واحد:

الجيوبي المثقوبة تتحول من علامة فقر إلى مساحة لتخزين الأحلام.

الأم تُقدَّم كقدّيسة يومية، ترقّ الروح بدموعها قبل الخيط.

لعبة الغميضة تصبح استعارة كبرى عن ضياع الذات عبر الزمن وتغير الحكومات، وكأن الشاعر اختبأ من الحياة ذاتها فضاع فيها.

النهاية بأبواب كثيرة ومفتاح واحد مفقود تلخص حالة الإنسان المعاصر: خيارات بلا معنى، وطرق بلا روح.

القصيدة نجحت في الجمع بين البساطة اللغوية والعمق الرمزي، وبين الحزن الشفيف والتأمل الفلسفي في الزمن والهوية. إنها نص عن فقدان الذات أكثر مما هو عن الحنين إلى الطفولة.

شكرا للابداع
تحياتي شاعرنا

خلدون الدالي 10-12-2025 07:30 PM

رد: طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي
 
الأستاذة الفاضلة راحيل الأيسر،
مرورك الباذخ يمنح النصّ تلك الومضة التي تشبه يداً تربّت على كتف الألم برفقٍ شاعر،
وتجعله يستقيم في روحه كما لو أنه وُلد للتوّ من صمتٍ طويل.

ما كتبته من قراءةٍ شفيفة لم يكن تعليقاً فحسب،
بل كان مرآةً مضيئة أعادت للنصّ نبضه الأول،
ومنحت الطفل الذي يركض في ثناياه شيئاً من الطمأنينة،
وكأن كلماتك ـ بما تحمله من حسٍّ رفيع ـ
رتقت شقوق الذاكرة كما كانت تفعل أمي بخيطها الأسود.

يسعدني أن يجد حرفي في ذائقتك ظلالاً يتفيّأها المتعبون،
وأن يحظى النصّ بتثبيتٍ منكم؛
وهو شرف يضاعف امتنان القلب.

لكِ التحية بقدر ما نثرتِ من جمال،
وبقدر ما وهبتِ النصَّ من دفءٍ ورهافة.

خلدون الدالي 10-12-2025 07:36 PM

رد: طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي
 
الأستاذ الكريم المختار محمد الدرعي،

قرأتُ تعليقك البديع كما تُقرأ صفحةٌ نادرة من كتابٍ يعرف كيف يلامس جوهر النصّ دون أن يرهقه بالتأويل.
لقد قدّمتَ قراءةً واثقة استطاعت أن تلتقط خيط الحساسية الذي كُتبت منه هذه القصيدة،
وتعيد صياغته بعمقٍ نقديّ يشبه مرايا تكشف ما وراء الأسطر بصفاء وهدوء.

إشارتك إلى نوستالجيا الطفولة كملاذٍ أنقى للذات أصابت جوهر النصّ،
كما أن قراءتك لرمزية الجيوب المثقوبة، وقدسية الأم، ولعبة الغميضة كاستعارة للضياع الإنساني—
كلها تأويلات تضيء مناطق ظلّ لا يكتشفها إلا قارئ يمتلك بصيرة الناقد وشفافية الشاعر معاً.

كل الشكر على هذا الاحتفاء الكريم،
وعلى وقتٍ منحته للنصّ بصدقٍ وذائقةٍ رفيعة.

تحياتي وتقديري لك،

أحمد فؤاد صوفي 05-02-2026 01:56 PM

رد: طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي
 

عندما نتكلم عن الجمال نجده هنا ،،
عندما نرغب باحساس دافق، نحس به هنا ،،
من القلب لكم تهنئة كبيرة على هذا الإحساس وهذا الجمال الذي تتحفوننا به دوماً ،،
تقبل من أخيك الدعاء بالخير ،،
تحياتي لك ،،

خلدون الدالي 06-02-2026 03:58 AM

رد: طفلٌ يركضُ داخل تجاعيدي
 
تقديري ومحبتي لكرم مرورك أ. أحمد فؤاد صوفي
����


الساعة الآن 08:03 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط