![]() |
الجهاز الآخر ـ قصة ـ
الجهاز الآخر
لا، لم تكن المشكلة ازدحامهم في الشقة الضيقة المكتراة ذات الغرف الثلاث، و التي يقتسمها مع زوجته و خمسة من أبنائه. لا، المشكلة لم تكن كثرة الأبناء و ضيق الحال. إنما كانت هي المشكلة. لا يلتقيان إلا على اختلاف. الصراع بينهما قد يبدأ من لاشيء، ثم يتمطط الغضب و الإنفعال لتبدأ معركة طويلة في حربهما الدائمة، التي تنتهي دائماً بخسائر من الطرفين المتقاتلين. هو، لا يطلب شيئاً داخل شقته إلا ممارسة حقه الأدنى ما دامت هي الساحة الوحيدة المتبقية له لفعل شيء ما ، بعدما يعود من عمله منكس الرأس، مهيض الجناحين، وأثار الذل باقية على عينيه و ملامح وجهه. بيد أن ساحته مقتسمة بوجود كائن شديد القوة، متشبث أيضاً بممارسة حقه الأدنى داخل فضاء هو له بالطبيعة و بالممارسة اليومية. نعم ، زوجته خصمه الوحيد في البيت و حتّى خارجه. تصاحبه شجاراتهما أينما ذهب، و لا يتحدث إلا عن مشاكلهما ونزاعاتهما داخل البيت. تطارده حتّى في أحلامه الحمراء والوردية على قلتها لتحيلها كوابيس سوداء معتمة. كانا جالسين بهدوء تام، كأنهما اتفقا ضمناً على هدنة مؤقتة. أمسك موجه التلفاز و راح يتابع بعينين يقظتين مباراة الموسم. نهائي الكأس بين الغريمين التقليديين، و إذا به داخل المباراة كأنه جزء منها. مراوغة ذكية من وسط ميدان فنان، و يمر على الثاني والثالث والرابع، و يصرخ الخامس يمنعه من التركيز و يحجب عن أذنيه صوت واصف المباراة. ينظر إليها شزراً محذراً، كأنه يأمرها أن تخرسه، أن تدخله مع إخوته إلى غرفتهم التي انسحبوا إليها حتى لا ينغصوا عليه مباراته أو كأن بوادر جولة أخرى في الحرب ـ على صغر سنهم ـ قد بدت لهم في أفق الصمت محتكمين لمعرفة دقيقة بالإستراتيجيات المتبعة من الطرفين.لازل يصرخ كأنه يبكي أو يستنجد به. تلقيه إليه يمسك به بكلتا يديه. هفوة دفاعية قاتلة و لحظة عدم تركيز، النتيجة فقدَ الموجه لصالحها. ينظر إليه في يدها التي و لاشك فعلت أصابعها أشياء بجسد الطفل الذي استعملته في خطتها الهجومية المرعبة فإذا بها في قلب الحلقة الأخيرة من مسلسل القرن الذي امتدت حلقاته أكثر من عقدين كاملين. الممثل يقبل عشيقته بسخونة، و... سيستغل ذلك ليعاود إلقاء الطفل إليها في محاولة لعكس الهجوم، تُمسك بالطفل و الموجه لا زال بيدها، يفكر بخيبة: - الشرسة، أنّى تعرف روح العشاق التي تثيرها؟ يرغب في صفعها، تصفعه لامبالاتها و انغماسها في جو القبل. يقول بتصميم: - أعيديه إليّ . ترمي إليه الطفل بحركة آلية دون أن تحيد عينيها عن الجهاز و الموجه بيدها. أكان يقصد الطفل؟ طبعاً لا، الموجه بُغيته. أعاد إليها الطفل رمياً، و هو يقول مصراً على أسنانه: - الموجه. يسكت الطفل عن صراخه كأن تمرجحه بينهما ككرة في مقابلة متكافئة قد أعجبه. تقول دون أن تلتفت إليه: - إذا هدأت قليلاً ستفهم القصة. قصة عمرها أكثر من عمر زواجهما. أيستطيع فعلاً أن يفهمها في لحظة؟ يلمح ذاهلاً البطل الوسيم الذي ينظر إلى حبيبته متطلعاً وهو يقول لها بشوق: - ألم تطلبي منه الطلاق بعد؟ قالت و عيناها أرضا: - سمعته الخادمة يتحدث مع شخص على الهاتف. بدا مهتماً للأمر و هو يسألها: - ماذا سمعت؟ - تعلم طبعاً قيمة التأمين على حياتي، و ما سيرث في حالة متّ. صمتت لحظة ثم قالت متأثرة: - دفع مالا كثيراً لقاتل محترف حتى يتخلص مني. يهب من مقعده، و يهب أيضاً من مكانه، ليخطف الموجه منها عندما تمسك فمها متأوهة من هول الصدمة. بدا له الطفل أيضاً غارقاً في سماجة القصة. - التعادل يكفي الضيوف للظفر بالكأس. ينغرس ظفرها في يده. يتأوه مع الجمهور، الذي تلقت شباك فريقهم هدفاً. يصفق الطفل، مع تصفيقه فرحاً بالنصر الوشيك. تبكي العشيقة و هي تقول: - كنت أتوقع أي شيء إلا أن تكون أنت من أغراه بالمال لقتلي . كنت مستعدة أن أمنحك كل ثروتي لو طلبتها. خدعتني أيّها المجرم كل هذه السنين. تبرق عيناه على نحو عجيب. يدنو منها يريد أن يخنقها. يده تألمه و الغضب يستولي على مشاعره. على أنغام مطارق طبول المشهد المتصاعد، يقفز فوقها بحركة بهلوانية كتلك التي سجل بها اللاعب الهدف، يحاول ضربها بقوة وعنف. عليه أن يسجل هدفه أيضاً، يُخطئها. يتوقف البطل عن خنق من كانت عشيقته، يعم صمت قاتل. البطلة التي تلعب دور العشيقة ينصرفان مشدوهين إلى جهازهما، في حجرة الفندق الذي كانا يتواعدان فيه. كانا يبصرانهما، يتفرجان عليهما. تعاد اللقطة أمامهم جميعاً على الجهازين معاً. حين قفز لاعب الكرة في نفس اللحظة مع بطل المسلسل على الكرة أو على عشيقته، و ضرب الكرة التي أصابت الهدف أو عشيقته، و حين أخطأ الكرة، واستفاق ضمير الإنسان لينتفض على القاتل. التفت إلى الشرسة فإذا هي ذاهلة صامتة ، زائغة البصر بين الجهاز، الذي كان جزءاً منها و صارت جزءاً منه، من مباراته أو مسلسلها، و بين طفلها المضرج بدمائه، المغمض العينين كأنه يتفرج على الجميع من جهاز آخر، أكبر،أبعد. سلا 2005 /02/2005 عبد السلام المودني |
|
الفاضلة سامية ياسين
مشكورة على المرورر الكريم و الحضور المستمر في نصوصي و تواصلك الجميل سيدتي أيضا على كلماتك الرقيقة مودتي عبدالسلام المودني |
كأني أقرأ قصه داخل قصه
وفكرت ان ثلاث غرف مساحه معقوله لأسره متوسطه أو فقيره وأكيد الفقر والهموم تجلب المشاكل والعصبيه وتحياتي لك ( تحرير ) |
الفاضلة فاطمة أحمد
حضور متميز في بياضات نصوصي أشكرك عليه سيدتي تواصل أكثر من رائع مودتي عبدالسلام المودني |
مشاركة: الجهاز الآخر ـ قصة ـ
عزيزي عبد السلام
كما العادة تستفزني قدرتك الهائلة على توليد الصور و المشاهد و اللعب لعبة داخل لعبة في قلب لعبة...... لعل الأمر يتعلق في نهاية المطاف بمجرد لعبة لكن أليست أكثر لحظاتنا جدية هي تلك التي نلعب فيها دمت كما أنت محبك محمد |
| الساعة الآن 02:58 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط