منتديات مجلة أقلام - عجيب أمر هذا الإستعمار ؟
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى الحوار الفكري العام (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=9)
-   -   عجيب أمر هذا الإستعمار ؟ (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=2830)

معاذ محمد 02-03-2006 03:52 AM

عجيب أمر هذا الإستعمار ؟
 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحكم في الإسلام

عجيب أمر هذا الاستعمار كيف بلغت قدرته على تصوير الحق الموجودة بصورة الباطل المعدوم، أو تصوير الباطل المعدوم صورة الحق الموجود حدا جعل الناس يكذبون حواسهم، ويقولون عما يرونه بأعينهم، ويلمسونه بأيديهم، ويدركونه بعقولهم _ يقولون تبعا للاستعمار _ أنه غير موجود ؟
قام الاستعمار يقول لأبناء المسلمين: لم تكن للإسلام دولة، فيرددون قوله، دون وعي ومن غير شعور، ويقول لهم أيضا في نفس الوقت، أن الإسلام كانت له دولة دينية روحية. فيحكون صدى قوله في نفس الوقت أيضا، دون وعي ولا شعور. ويقول لهم في نفس الوقت: أن الدين غير الدولة، والدولة غير الدين، يعيدون هذا القول إعادة خالية من التفكير، ومن الوعي والشعور. ثم يقول لهم: لا بد من فصل الدين عن الدولة حتى تنجحوا، فيجيبون: نعم لا بد من فصل الدين عن الدولة.
وإنه بالرغم من معرفة هؤلاء بأن الذي يقول ذلك هو عدوهم الذي يستعمرهم، فإنهم لا يحلون هذه المعرفة محلها من الاعتبار، لأنهم مخدرون بثقافة هذا الاستعمار. وقد نسي هؤلاء التاريخ الذي أجمع عليه مؤرخو جميع الأمم من أن الإسلام كانت له دولة بدأت منذ استقر الرسول عليه السلام في المدينة، في السنة الأولى من الهجرة، حتى سنة 1342 هجرية سنة 1924 ميلادية حين سقطت الخلافة على يد الاستعمار. نعم نسوا هذا التاريخ بالرغم من أنهم تعلموه. ويفتري هؤلاء على الإسلام أنه كانت له دولة دينية ( روحية ). ولم يروِ أحد من المؤرخين، ولا أشدهم بغضا للإسلام، أنه كانت للإسلام دولة ( روحية ) في أي لحظة من لحظات التاريخ. كما لم ينكر أحد أن الإسلام في صميم تشريعه لم يجعل للروح دولة أو سلطان حتى في العبادات نفسها لأن مفهوم الروح في الإسلام غيره في الغرب.
ويجهل هؤلاء إسلامهم، أو يتجاهلونه، فيزعمون أن الدين في الإسلام غير الدولة. وقد أجمع الناس من غير استثناء أن دولة الإسلام تعني تماما دولة الدين الإسلامي، أي الدولة التي تحكم بموجب الدين الإسلامي.
ويتجنى هؤلاء فينادون بفصل الدين عن الدولة. ولا أدري كيف يبقى دين الإسلام حيا ولا دولة له، وكيف يعيش المسلمون دون دولة، ويكون لهم كيان أو وجود، وكيف ينكر إنسان أن الإسلام دين لا يقوم إلا على الدولة. وقد جاءت شريعته تنادي بوجوب وجود الحكم والسلطان.
أليس القرآن الكريم كتاب الإسلام المنزل ؟ فلماذا إذن وجدت فيه آيات الحكم والسلطان، لو لم تكن للإسلام دولة ؟
استمع إليه وهو ينادي في الحكم فيقول:
{ فاحكم بينهم بما أنزل الله } { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } وهل هناك أصرح من هذا في إنذار من لم يجعل ما أنزل الله حكما. ومن جعل الحكم على خلاف ما أنزل الله، وهل هناك خطاب أصرح من قول الله للرسول عليه السلام { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } يدل على أن الإسلام أنزل للحكم ؟
اسمع إليه وهو يقول: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله }، { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } ثم اسمعه وهو يخاطب جماعة المسلمين فيقول: { وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل }. { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }، { فلا وربك لا يؤمنون حنى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وكل ذلك صريح في الحكم والسلطان.
هذا بالنسبة للحكم من حيث هو. وهناك الآيات الكثيرة الدالة على تفصيلات حوادث الحكم. فهناك آيات التشريع الحربي، والتشريع السياسي، والتشريع الجنائي، والتشريع الاجتماعي، ( والتشريع المدني ) وغير ذلك من التشاريع.
{ يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم } { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أمول الناس بالإثم وأنتم تعلمون } { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } إلى أن يقول في نفس الآية: { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد }.
{ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها }. { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة }. { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود }. { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن }.
وهكذا تجد الخطوط العريضة ( للتشريع المدني )، والعسكري، والمعاملات، والعقوبات، واضحة في مئات الآيات، فضلا عن الكثرة الوافرة من الأحاديث الصحيحة. فإذا لم يكن للإسلام دولة فلماذا نزلت هذه الآيات ؟ ومن الذي يطبق ما فيها من الأحكام ؟ وعلاوة على ذلك فإن الواقع التاريخي في حياة الرسول عليه السلام والصحابة أيام حياته ومن بعده ليدل دلالة واضحة على أن الإسلام كان نظاما للدولة وللحياة، ولكل جزئية من جزئيات حياة الأمة والدولة.
وإذا أنكر على الإسلام أن له دولة تنفذ الأحكام، وتسوس الأمة، فماذا يفعل في نصوصه التي هي صريحة في الحكم ؟ وكيف نغمض أعيننا عما كان يفعله عليه السلام من إرسال الولاة والمعلمين للأقاليم، ليحكموا بين الناس في أمورهم، ويعلموهم الإسلام دينا فيه العبادة والنظام والقانون.
نعم إن الإسلام نظام للدولة والحياة والأمة. ولا تملك الدولة الحكم إلا إذا كانت تسير وفق نظام الإسلام. ولا يكون للإسلام وجود إلا إذا كان حيا في دولة تنفذ أحكامه، فالإسلام دين عام والدولة جزء منه وهي الوسيلة لتنفيذه. ولا يوجد الإسلام وجودا حيا إلا إذا كانت له الدولة في جميع الأحوال. على أن هذه الدولة الإسلامية هي دولة سياسية، وليست لها قداسة ولا لرئيسها صفة القديسين. فهذا عمر يقول للناس من رأى فيّ اعوجاجا فليقومه، فيجيبه أحدهم لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا. فلا يزيد عمر على أن يقول، الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بحد السيف. فأي قداسة لهذا الخليفة مع أنه عمر بن الخطاب.
حقا أن الاستعمار قد أوغل في ماديته ونبذه للقيم الخلقية، حين افترى على الإسلام أنه دولة دينية روحية، وحين افترى عليه أن الدين غير الدولة، وحين افترى عليه أنه لم تكن للإسلام دولة. ومع أن هذه المفتريات متناقضة مع بعضها، ومناقضة للحقيقة التاريخية التي لا ينكرها إنسان، مع ذلك فقد خدع الاستعمار بعض أبناء المسلمين بهذه الأباطيل والأضاليل.
ولسنا بصدد أن نرد على الاستعمار هذا الافتراء ونجادله فيه، كما أننا لا نتعرض لهؤلاء المفتونين أو المأجورين ونناظرهم، لأن قضية كون الإسلام دينا منه الدولة ليست قضية ذات موضوع لأنها من البداهة بحيث يعلمها حقا كل إنسان، متعلما كان أو غير متعلم، كما يعلم أن الواحد نصف الإثنين. ولكن القضية ذات الموضوع هي أننا نريد أن نستأنف حياة إسلامية في الحكم، وأننا مصممون على استئناف هذه الحياة مهما كلف الأمر، وأننا متأكدون بأن استئناف الحياة الإسلامية في الحكم أمر لازم لنا لزوم الماء للحياة، ولنعود إلى النظام الإسلامي الذي هو أساس سعادتنا وسعادة العالم.
ولن نستطيع العودة إليه إلا إذا عادت دولة الإسلام وحكمه، ولذلك صمم المسلمون اليوم _ ما عدا ضفادع استعمارية تنقنق _ على أن يوجدوا الحكم الإسلامي، ليعودوا إلى الإسلام.
وإنهم يعرفون أن هذا يحتاج إلى جهود غير عادية، وإلى أعمال ضخمة، ولكن حماسة الإيمان، والجرأة والإقدام، التي هي من صفات المؤمن، ستذلل هذه الصعاب بالصبر والثبات، لأن إيمانهم بضرورة وجود الحكم الإسلامي، يفوق كل شيء، وثقتهم بالله تسهل عليهم كل صعب.
غير أن هذا الإيمان نفسه يحدوهم وهم يبصرون الواقع السيئ على أن يرتفعوا بأذهانهم عن هذا الواقع، ويرسموا على ضوء الإسلام الحياة الإسلامية الكاملة، ويعملوا بعقلية مبتكرة مبدعة عمل المسلم الكامل في تجنب الترقيع، والابتعاد عن الحل الوسط، ومحاربة التجزئة والتدريج، صابرين على المشقات، واثقين بأنهم سيطبقون الإسلام كاملا، ويستأنفون حسب نظامه الحياة الإسلامية.
وعود الإسلام لا يكون بتعمير المساجد، وحفظ الأخلاق ومنع المحرمات فقط، فإن هذه الحلول جزئية مخدرة، ملهية عن الخطوة الحقيقية لإيجاد الإسلام. { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين }{ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون }. وإنما نعود إلى الإسلام إذا عاد للحكم في نظامه وأحكامه. فإذا عاد له الحكم وطبق نظامه تطبيقا انقلابيا فقد عاد قانونه ودستوره، وعادت حينئذ جميع شؤون الحياة تعالج بالإسلام. فصار المجتمع إسلاميا والحياة حياة إسلامية.
ولذلك حق على المسلمين أن يبينوا للناس نظام الحكم في الإسلام، حتى يعرفوه، وحتى يعملوا هم على إيجاده. ويصبحوا هم خلفاء في الأرض، وقد نالوا ما وعدهم ربهم به { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر }.
ونظام الحكم في الإسلام، وإن كان معروفا بأنه نظام دولة، ولكنه لا بد أن يعلم أنه نظام خاص لدولة خاصة _ نظام إسلامي لدولة إسلامية، ومعرفته لا بد أن تكون على هذا الوجه، حتى يجري تطبيقه على هذا الأساس.
ومع أن أنظمة الحكم القائمة في جميع البلاد الإسلامية ومنها العربية قد ظهر إفلاسها حتى صار العالم الإسلامي ومنه العربي في أزمة من أنظمة الحكم. ومع أن النظام الديموقراطي كنظام حكم من حيث هو قد أعلن إفلاسه في العالم، مع ذلك فإننا نخشى _ وقد عشنا محكومين بأنظمة كفر ثلث قرن أو يزيد _ أن يكون لهذه الأنظمة أثر فينا يجعلنا نألف نوع الحكم الذي نحكم بموجبه، ونجعل مفاهيمه مقاييس لتصورنا الحكم في الإسلام.
فمن الضروري أن نتغلب على ما ألفناه من أنواع الحكم ونرتفع عن الواقع وعن جميع أنظمة الحكم الموجودة في العالم، ونختار الحكم الإسلامي نظام متميزا في الحكم ولا نحاول أن نوازنه بباقي أنظمة الحكم، ونفسره حسب رغبتنا ليطابق أو يشابه غيره.
كلا، لأننا لا نريد أن نعالج نظام الحكم في الإسلام على حسب مشاكل العصر، بل نريد أن نعالج مشاكل العصر بنظام الإسلام؛ لأنه هو النظام الصالح. وعلى هذا الأساس نجمل نظام الحكم في الإسلام كما هو، مع مراعاة عرضه بأسلوب عملي للتطبيق، تاركين التفصيل والتطويل لأنه ليس القصد العلم والتعليم، وإنما لفت النظر للعمل.


الساعة الآن 10:16 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط