![]() |
لا يمكن تأكيد الكيان العربي بدوت تحقيق الوعي بالذات العربية
د. تيسير الناشف لا يمكن أن يحقق شعب التقدم السياسي-الإجتماعي بدون تحقيق الوعي الذاتي. والذات هي النفس المتصفة بصفات تحدد هويتها وتميزها عن غيرها. ولا يمكن تحقيق الوعي التام بالذات لأنها تتكون من عناصر موضوعية وعناصر غير موضوعية. والأخيرة يصعب أن تخضع للمقاييس الكمية. بيد أنه يمكن الوعي بقسط كبير من الذات: طبيعتها وحالتها على الساحة المحلية والإقليمية والدولية ودورها، والوعي بهدف ومغزى الذات في الوجود والوعي بالعوامل التي تحول دون تحقيق الذات ودون تجليها والوعي بالعلاقة بين الذات الفردية والجماعية.ومن شأن تحقيق الوعي بالذات أن يفضي الى تحقيق الذات لأهدافها أو لقسم من أهدافها، وإلى معرفة الذات للتعامل مع ذات أخرى. ومن شأن هذا التحقيق أيضا أن يمكن الذات من تحديد المسافات، بالمعنى الجغرافي والنفسي والاقتصادي، بينها وبين ذوات أخرى. ومن شأن هذا التحقيق أن يكون للذات منطلق في شتى المجالات. من هذا المنطلق تستطيع الذات أن تضع برنامج عملها وأن تحدد أولوياتها وأن تحدد سياسات التنفيذ، وأنتقرر ما هو ضار وما هو نافع لها حسب تصورها ومنظورها، وأن نضع التصور لمستقبلنا ولدورنا السياسي والحضاري. وعند تحقيق الوعي بالذات يتضح وجوب إدخال التغييرات اللازمة في حياتنا بما يتفق مع مقتضيات مصالحنا التي تتضح معالمها عند تحقيق الوعي بالذات. وعند تحقيق الوعي بالذات لا بد من أن يتضح أنالمصلحة الأهم للذات الفردية أو الجماعية هي المحافظة على بقاء الذات، وبقاء الذات على قطعة الأرض التيولدت فيها والتي نسميها الوطن، والمحافظة على قطعة الأرض هذه والذود عن هذه الذات وأرضها بما أوتي الإنسان من الوعي. ويستلزم تحقيق هاتين المصلحتين تأكيد الذات لنفسها ومنع طمسها، وهو الطمس الذي من شأنه أن يحدث عن طريق التبعية الثقافية والإقتصادية وجعل الذات والأرض التي تقيم عليها مرهونتين لإرادات ذوات أخرى لها مطامعها الخاصة بها. إن قطعة الأرض هذه مكان لأجدادنا طيلة سنين لا حصر لها، وقد تجلت عبقريتهم في فكرهم وآدابهم وفنونهم المدونة الباقية. وحق الأجداد على أبنائهم ألا يفرطوا في ذواتهم وألا يفرطوا في هذه الأرض. وبالتالي لا بد من أن تقوم دائما علاقة بين ذواتنا وأرضنا، وأيضا بين ذواتنا وأرضنا وماضينا الضارب في أعماق أعماق التاريخ. لتحقيق الوعي بالذات لا يمكن إلغاء هذه العلاقة أو نسيان أن روح الأجداد تكمن في كل حجر وكل ذرة رمل وتراب من أرضنا الطاهرة. وعدم تأكيد الذات لوجودها معناه عدم تجلي الذات وطمسها، لأن الذات غير المحققة في المحيط الإجتماعي والطبيعي الذي نعيش فيه لا بد من أن تتكالب عليها ذوات أخرى فتطمسها أو تنهشها، ويصبح الناس الذين ذواتهم مطموسة وممزقة لا وزن لهم على الساحة الدولية ويكون دور هؤلاء الناس التاريخي والمعاصر دورا سلبيا، يكونون المتلقين الذين يتعرضون للتوجيه، ويصبح هؤلاء الناس عرضة للاستبعاد والاستغلال والاستعباد، ويصبحون كبش الفداء المادي والمعنوي، ويصيرون الأداة التي على حسابها يحل أصحاب الذوات المحققة مشاكلهم وينهضون بغلبتهم. ولا تستقيم المواربة والخوف من قول الحقيقة مع الوعي الذاتي. الوعي بالذات لا مفر من أن يؤدي إلى قسط أكبر من النزاهة والصراحة والاستقامة والجرأة على الإعراب عن الحقيقة وعن الرأي والجرأة على النقد للذات وللسياسات وعلى النقد لطريقة تناول القضايا الجوهرية وعلى النقد لطريقة التوصل الى الإستنتاجات ولطريقة تناول هذه الإستنتاجات ولطريقة متابعتها. وكلما كان الوعي بالذات أكثر تقريبا للذات من أن تحقق نفسها ومن أن تؤكد وجودها وكيانها ازداد الإقتناع قوة بأن الوعي بالذات حاصل حقا وبأن العقل ازداد تخلصا من القيود الفتاكة وبأن اليقظة أو الصحوة العقلية والنفسية حاصلة وبأن الذات الفردية أو الجماعية في طريقها الصحيح نحو أداء دورها ونحو تحقيق وجودها وتجليها القوي العازم. وحتى يقربنا الوعي بالذات من تأكيد الذات لكيانها تجب إتاحة الظروف المفضية إلى ذلك التقريب، والظروف الأهم هي التنشئة على قيم وممارسات الحرية والديمقراطية وعلى احترام الكرامة الفردية والجماعية، وتحقيق قدر أكبر من التحرر من الخوف من السلطة الحكومية وغير الحكومية ومن التحرر الإجتماعي ومن التخلص من الحاجة المالية والإقتصادية، اي أن يتحول المجتمع من مجتمع يخيم عليه الظلم إلى مجتمع يتمتع بقدر أكبر من الحرية وتحترم فيه فردية الإنسان وإنسانيته. وبالنظر إلى أن السلطة الحكومية هي العامل الأهم – ولكن ليست العامل الوحيد – في تحقيق أغراض من قبيل التحرير من الخوف وإزالة القيود والتخلص من الحاجة فإن تحقيق الوعي بالذات واقترابنا عن طريق هذا الوعي من تأكيد الذات لكيانها سيُعرقلان ما دامت السلطة الحكومية تناوئ تحقيق تلك الأغراض. وليس في الإمكان تحديد سلامة الأفكار بالنسبة الى الذات العربية الفردية والجماعية دون وعينا بذاتنا. وبالتالي لا يجوز تحديد سلامة الأفكار بالنسبة إلى ذاتنا دون الوعي بهذه الذات. ومن الخطأ احتضان أفكار أو تيارات فكرية دون الوعي بذاتنا، إذ قد يكون هذا الاحتضان مضرا بها وبمصالحها. وإذا تم احتضان هذه الأفكار فإنه من قبيل فرض الأفكار على الذات، وهو الفرض الذي تأبى الذات الواعية أن تكون ضحية له لأنه يتنافى مع تأكيدها لوجودها. وليس من الصحيح تحديد الواقع الذي نريده والواقع الذي لا نريده دون الوعي بذاتنا. إن تحقيق الوعي بالذات يجب أن يسبق تحديد الواقع الذي تحدده الذات. وذلك يفسر أن كثيرا من التيارات والمذاهب الفكرية والفلسفات التي حاول مفكرون وسياسيون أن يطبقوها في المجتمع العربي فشل تطبيقها لأن الاختيار ومحاولة التطبيق حدثا قبل تحقيق الوعي بالذات. وقد فشل تطبيقه رغم محاولات فرضها على المجتمع. وعلى الرغم من التأثر المتبادل بين الذات والواقع الذي حولها فإن الذات هي التي يجب أن تقرر مدى مناسبة الواقع لخصائص الذات ومستلزمات تأكيد كيانها وبقائها. وينطبق هذا الكلام على نحو خاص على الوطن العربي وعلى سائر مناطق العالم التي اصطلح على تسميتها بالعالم الثالث، حيث أسهم الحكم الأجنبي والمصالح الأجنبية إسهاما كبيرا في تشكيل الواقع الذي يحيط بالذات قبل أن تستطيع الذات أن تعي وتكتشف نفسها. ولذلك فعند تحقيق الوعي بالذات فإن هذه الذات لا بد من أن تكون منتِقدة أشد الإنتقاد لهذا الواقع ولا بد من أن تسعى إلى تغييره. وتبذل الآن على الساحة العربية، وقبل تحقيق الوعي بالذات، محاولات لتغيير الواقع العربي في شتى المجالات. والفرق الأهم بين محاولات تغيير الواقع قبل تحقيق الوعي بالذات وبعد ذلك التحقيق هو أننا في الحالة الثانية من شأننا أن ننطلق بهذه المحاولات ونحن واعون على نو أشد دقة بجوانب الواقع التي نريد تغييرها وأن ننطلق بهذه المحاولات على أساس وعينا بأنفسنا ووعينا بجوانب الواقع التي تتفق أولا تتفق مع خصائص ذاتنا. |
الأخ الكريم د . تيسير .
تحية طيبة . أشكر لك النص ، ووددت الدخول والمشاركة لموافقتي إياك في ما قلت .. لا حرمنا اللـه فكرك وقلمك . |
| الساعة الآن 02:23 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط