![]() |
نازك الملائكة ماتت ام لم تمت؟
ماتت نا زك الملائكة أم لم تمت؟
ساطع نور الدين/ السفير/ محطة اخيرة وداع امـرأة ليس رثاء الراحلة نازك الملائكة شأن الشعراء وحدهم. ثمة ما يمس اللغة والهوية في العراق وفي كل مكان عربي بلغته قصائد تلك الرائدة وكتبها. ثمة ما يتصل بتاريخ بلاد ما بين النهرين، وما بين المحيط والخليج، التي فقدت ذاكرتها الثقافية، أو انقطعت عنها تماما. الشعراء والنقاد الذين ودعوا الراحلة الكبيرة، توقفوا مطولا عن تجربتها وإبداعها وريادتها والصراع القديم بينها وبين بدر شاكر السياب. أعطوها حقها، واحترموا عزلتها ثم انحنوا بخشوع أمام موتها، وخرجوا على الفور من الجنازة، من دون وعي خاص بالزمان والمكان اللذين ولدت فيهما نازك الملائكة. كان على القارئ وحده أن يفتش بين السطور عن العلامات الفارقة في سيرة المرأة والدولة والامة، التي دفنت مجددا امس. كان الوداع حزيناً، لكنه لم يكن مؤثراً الى الحد الذي يفترضه الربط الطبيعي بين بغداد 1947 وبغداد .2007 لم يكترث أحد لتلك المسافة الزمنية الشاسعة. ستون سنة تبدو اليوم كأنها دهر. كانت هناك بداية حقيقية، باهرة، مذهلة: فتاة عراقية في النصف الاول من القرن العشرين تكتب الشعر، سرعان ما تتوج أميرة، رائدة، وتتحول دواوينها الى مدرسة وكتبها النقدية الى نهج، واسمها الى رمز. لكن السيرة كانت ناقصة. كيف يمكن للبيئة العراقية أن تنتج قبل ستين سنة من اليوم تلك التجربة المميزة؟ وكيف يمكن أن تكون الاشارة الاولى من تلك الفتاة العراقية هي قصيدة تكتب من بغداد عن كارثة حلت بمصر (الكوليرا)؟ وكيف يمكن أن يسلّم أمراء الشعر في ذلك الزمان على الفور بأن «عاشقة الليل» تستحق أن ترتدي عباءة الاميرة، وأن تصبح القصيدة معها حرة بكل ما للكلمة من معنى؟ كانت السيرة مبتورة الى حد ما. خرجت نازك الملائكة من بيت عراقي ينتمي الى الثقافة الادب والشعر، ومن مجتمع طبيعي الى حد بعيد، تصالح مع ماضيه وبدأ خطواته الاولى على طريق الحداثة. أرسل قصائد تلك الفتاة المبدعة الى النشر ثم بعث بها الى الخارج للدراسة ثم أعادها الى الجامعة للبحث والتدريس، قبل أن يرمي بها الى المنفى، حيث تقطعت بها السبل، وأسلمت الروح عندما هاجرت من بغداد للمرة الاولى في العام 1995 الى عمان ومنها الى القاهرة حيث شيعت، ولم يكن في التشييع ممثلون عن نحو أربعة ملايين مهاجر عراقي لا أمل لهم بالعودة القريبة الى وطنهم. ما بين البداية في بغداد العصر الذهبي الثاني، وما بين النهاية في قاهرة البؤس والشقاء والانقطاع، مسيرة شخصية تختصر حياة مدينة غائبة، وتاريخ وطن يضيع، ورحلة أمة على طريق العذاب الذي لا يمكن للشعراء أن يكتبوا عنها وحدهم: الخلود لنازك الملائكة يكفله الشعر وعالمه الخاص، الذي لم يعد يكفي لحماية بغداد من الزوال، وصيانة الشعب العراقي من الفناء، ولا لحفظ لغة قريش من النسيان. ومن جميل شعرها في فلسطين يا قبةَ الصخرهْ يا وردُ، يا ابتهال، يا حضرهْ ويا هدى تسبيحة علوية النبرهْ يا صلوات عذبة الأصداءْ جاشت بها الأبهاءْ يا حرقة المجهول، يا تطلُّعَ الإنسان للسماءْ يا وَلهَ الركوع"؛ يا طُهْرَهْ يا وردة الخشوع، يا نداه، يا عطرهْ يا مسجداً أسْكَتَ تسبيحاته صهيونْ من أجل حلْم وقحٍ مجنونْ كبَّلَ في أرجائه الصلاة والخضرهْ ولوّث التاريخ والفكرهْ * * * يا قبة الصخرهْ يا جرح، يا ضماد يا زهرة يا سَهَرَ الجراح في ارتعاشة الشفاهْ يا حرقة الدعاء، يا تنهُّدَ الصلاهْ هل تنبض الحياهْ في هذه الأذرع والجباهْ؟ هل تدفق العطور والألوان والمياهْ؟ ينبجس النبع من الصخرهْ؟ وينبت الفداء ورداً ساخن الحمرهْ؟ نسقيه من تتمة الدعاءْ من حمرة الدماءْ نطعمه سنابل الفداءْ تختصر الزمان في تسبيحة ثرّهْ يصرخ فيها عطش الثورهْ * * * يا قبة الصخرهْ حيث الخراب مُسدِلاً شَعْرَهْ يا رعشة التقوى، ويا انخطافة الصلاهْ يا أثر السجود في الجباهْ يا صلوات لامست عطورها الشفاهْ يا وردة روحية الخدودْ قد ذبلت ولم يحسّ موتها الوجودْ يا مسجداً عطشان للقرآن والسجودْ مسائلاً: كيف اختفى تهجُّدُ الرواقْ؟ وأين تسبيحاته الصوفية الأشواقْ؟ ولهفة الجدران، وارتعاشة العمودْ وسكرة البخور في أمسٍ نَدٍ مفقودْ كم ضرعت نوافذ؛ وأمطرت أدمعَها أبوابْ في صرعة العذابْ! كم رتّلتْ حكايةَ الإرهابْ لوردة يتيمة عذراء مصفرّهْ عطورها اضطرّت إلى الهجرهْ دماؤها تحدَّرتْ وانسكبتْ على المصلَّى قطرةً قطرهْ * * * يا قبة الصخرهْ يا حقُّ، يا إيمان، يا ثورهْ شمس حزيران طوتها غيمة في الفجر فانطوتْ وأسدل الستار، والرواية انتهتْ أقمارها هوتْ أنجمها قد أغمضتْ عيونها، آفاقها خوتْ ورودها تحت ثلوج الظلمة انحنتْ ودولة اللصوص والقرودْ ترشّفتْ دماءنا الحمراء وارتوتْ ومزّقت أظفارُها ليونةَ الخدودْ وأنشبت مخالب الحقودْ في لحمنا، في كبرياء الأرض" في مراقد الجدودْ غداً، غداً، تنفجر السجون واللحودْ فلتسقطي يا دولة اليهودْ! مازلتِ في سَكرَهْ ميّتة الضمير؛ في تهوية قذْرهْ تبعثرين السمّ والأشلاء بين الماء والخضرهْ وتملأين الكأس بالدماء والخمرةْ وباسم ماذا تُمنع الصلاة في الحضرهْ؟ وباسم ماذا يُسْرَقُ الأردنُّ والبيَّارة والنضرهْ؟ وباسم ماذا تُقْتَلُ الزهرهْ؟ * * * يا قبة الصخرهْ يا حقل قمح نادبٍ عطرهْ! يا أرغناً مُقَطَّعَ الأوتارْ يا معبداً مُرَوَّعَ القباب والأحجارْ بين يدي جزّارْ يقاتل الورود والسلام والأقمارْ يسطو على الثمارْ وينسف البيوت ظلماً؛ يحرق الأشجارْ يشرّدُ الصغارَ والكبارْ من أرضهم في ليلة ضائعة النهارْ أصابعٌ للغدر إرهابية الأظفارْ * * * يا قبة الصخرهْ يا جنح ليلٍ فاقدٍ فجرهْ متى تُرى: ستنفض الغبارْ عن أرضنا؟ ونرفع الحصارْ؟ متى تُرى: نقتحم الأسوارْ؟ وغنوة الأمواج والخلجان والأغوارْ تهمس في أسماعنا بأعذب الأشعارْ هتافها ينبض بالأسرارْ فلنبدأ الإبحارْ قلوعُنا والهةٌ؛ لعلها تعيش في انتظارْ وفي المدى جزائر المرجان والمحارْ * * * يا قبة الصخرهْ يا ذِكْرُ، يا ترتيلُ، يا حضرهْ متى نصلّي فيك، هل ستنبت البذرهْ؟ هل نعبر المسالك الوعرهْ؟ ترمقنا ذئابُها بالنظرة والشزْرهْ * * * يا قبة الصخرهْ وجهُكِ، هل نحظى به يا عذبة النظرهْ؟ ونحن قد شطّ بنا المزارْ تقاذفتْنا البيد والبحارْ وطوّحتْ بركبنا وأهلنا الأسفارْ ترفضنا الكهوف، والغابات، والأمصارْ خيامنا على خطوط النارْ وزادنا التقوى، وملح الأدمع الغِزارْ * * * يا قبة الصخرهْ يا صمتُ؛ يا ضياعُ يا حيرهْ متى نرى أبوابك القدسيّة البرَّهْ؟ وننتهي إليك عبر الشُّعب الخطرهْ؟ جِرارُنا خاويةٌ، متى - ترى - تمتلئ الجرارْ؟ حقولنا قد يبستْ؛ فهل – تُرى - ستسقط الأمطارْ؟ وعند بواباتنا تنتظر الأقدارْ متى نصلّي؟ إنما صلاتنا انفجارْ صلاتنا ستطلع النهارْ تسلّح العزَّل؛ تعلي راية الثوارْ صلاتنا إنذارْ إلى عدوّ، خادع، غدّارْ تاريخه قد كُتبتْ سطوره بريشة المكر وحبر العارْ صلاتنا ستشعل الإعصارْ ستزرع السلاح والزنبق في القفارْ تحوّل اليأس إلى انتصارْ صلاتنا ستنقل الجدب إلى اخضرارْ وتطعم الصغارْ فاكهة الصمود والإصرارْ يا قبة الصخرة من صلاتنا سيرتوي آذارْ وتنبت الرايات والثمارْ صلاتنا تفجّر الأنهارْ وتبعث الغناء، والليمون، والأحرارْ تعيدنا للوطن المسروق، تمحو العارْ * * * يا قبة الصخرهْ يا رمز، يا تاريخ؛ يا فكرهْ غداً، غداً،، يختلج اسم الله في القدس وفي الخليلْ ينتفض العدل المدمَّى صارخاً، يستيقظ القتيلْ تنبت من دمائه زهرهْ في عطرها سمٌ وتخفي كأسها جمرهْ تسكب في أشداق إسرائيلْ مذاق هول زاحف من الفرات العذب حتى النيلْ عندئذ ينطفئ الغليلْ وترتوي جدائل الزيتون والنخيلْ وتنعس الثارات بعد السهر الطويلْ كأنما خيامنا عُدْنَ من الرحيلْ * * * يا قبة الصخرهْ يا لغم، يا إعصار، يا سجينة خطْرهْ على الذي يسجنها؛ غداً يصير سجنها قبرهْ يا قبة الصخرهْ حاشاكِ أن ترضَيْ هوانَ الأمة الحرهْ سيهبط النصر على مرتّلِي القرآنْ على المُصلِّين؛ وفي صوامع الرهبانْ على الفدائيين في أودية النيرانْ غداً، غداً، ينفجر البركانْ ويبدأ الطوفانْ ينتفض الشهيد في الأكفانْ ويكسر القضبانْ يقاتل الآسر والسّجانْ ينتصر الإنسانْ يرتفع الأذانْ حراً عبيريّ الصدى من قبة الصخرهْ يرطّب المهامه القَفْرهْ ويعلن الصلاة والجهاد، والثورهْ في القدس، في الجولان، في سيناءْ في المدن العذراءْ في الريف، في سجون إسرائيل، في الصحراءْ في الأرض، في السماءْ سيستحيل الماء، والتراب، والهواءْ مَدافعاً فاغرةً، وثورةً حمراءْ تزلزل العصابة السوداءْ فيسقط الطغيانْ ويُزهق الباطل والبهتانْ ويمكرون مكرهم، ويمكر الرحمانْ. رحم الله نازك الملائكة . ونعزّي بها الأمة العربية والعراق الحبيب. هي حية خالدة في شعرها |
مشاركة: نازك الملائكة ماتت ام لم تمت؟
قال الشاعر: وما من كاتب إلا سـتبقى 000 كـتابته وإن فنيت يـــــــداه فلا تكتب بكفك غير شيء 000 يسرك في القيامة أن تراه مودَّتي علي آل زهير |
مشاركة: نازك الملائكة ماتت ام لم تمت؟
رحم الله الشاعرة الكبيرة | نازك الملائكة " أم البراق " وأسكنها فسيح جناته ولا نقول سوى " إنا لله وإنا إليه راجعون " وعزاؤنا بما قدمته لبلدها وأمتها ولغتها من أدب وإبداع ونتاج غزير وكم يحز في النفس ما آلت إليه حالتها الصحية والنفسية البائسة في السنوات الأخيرة حيث عاشت في ذاكرة النسيان .
سأشارك برثائها بقصيدة ستنشر قريبا بإذن الله تعالى . |
| الساعة الآن 04:40 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط