منتديات مجلة أقلام - بين الحاكم والعالم في التاريخ السياسي الإسلامي
منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   المنتدى الإسلامي (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=10)
-   -   بين الحاكم والعالم في التاريخ السياسي الإسلامي (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=10607)

محمد المهدي السقال 17-02-2007 12:45 AM

بين الحاكم والعالم في التاريخ السياسي الإسلامي
 
بين الحاكم والعالم

في التاريخ السياسي الإسلامي

نموذج " هارون الرشيد وسفيان الثوري "

من خلال رسالتين منسوبتين لهما في

كتاب حياة الحيوان الكبرى للدميري .

محمد المهدي السقال

********
" وذكر الإمام ابن بليان و الغزالي وغيرهما , أن الرشيد لما ولي الخلافة , زاره العلماء بأسرهم إلا سفيان الثوري , فانه لم يأته, وكان بينه وبينه صحبة , فشق عليه ذلك , فكتب إليه كتابا يقول فيه :
باسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله هارون أمير المؤمنين , إلى أخيه في الله سفيان بن سعيد الثوري ,
أما بعد يا أخي , فقد علمت أن الله آخي بين المؤمنين , وقد آخيتك في الله مؤاخاة لم أصرم فيها حبلك , ولم اقطع منها ودك , و إني منطو لك على أفضل المحبة و أتم الإرادة , ولولا هذه القلادة التي قلدنيا الله تعالى لأتيتك و لو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة , و إنه لم يبق أحد من إخواني وإخوتك إلا زارني و هنأني بما صرت إليه , وقد فتحت بيوت الأموال و أعطيتهم المواهب السنية بما فرحت به نفسي و قرت به عيني , وقد استبطأتك , وقد كتبت كتابا مني إليك أعلمك بالشوق الشديد إليك , وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل زيارة المؤمن و مواصلته , فإذا ورد عليك كتابي هذا فالعجل العجل .
ثم أعطى الكتاب لعباد الطالقاني و أمره بإيصاله إليه وأن يحصي عليه بسمعه وقلبه دقيق أمره و جليله ليخبره به .
قال عباد :
فانطلقت إلى الكوفة , فوجدت سفيان في مسجده ,
فلما رآني على بعد قام وقال :
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم و أعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بالخير ,
قال : فنزلت عن فرسي بباب المسجد .
فقام يصلي و لم يكن وقت صلاة , فدخلت وسلمت فما رفع احد من جلسائه رأسه إلي , فبقيت واقفا وما منهم احد يعرض علي الجلوس , و قد علتني من هيبتهم الرعدة , فرميت بالكتاب إليه , فلما رأى الكتاب ارتعد وتباعد منه كأنه حية عرضت له في محرابه , فركع وسجد وسلم و أدخل يده في كمه و أخذه و قلبه بيده ورماه إلى من كان خلفه وقال :
ليقرأه بعضكم فاني استغفر الله أن أمس شيئا مسه ظالم بيده .
قال عباد : فمد بعضهم يده إليه و هو يرتعد كأنه حية تنهشه ثم قرأه , فجعل سفيان يتبسم تبسم المتعجب , فلما فرغ من قراءته قال :
اقلبوه واكتبوا للظالم على ظهره , فقيل له :
يا أبا عبد الله , انه خليفة فلو كتبت إليه في بياض نقي لكان أحسن , فقال :
اكتبوا للظالم في ظهر كتابه , فان كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به , وان كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به , ولا يبقى شيء مسه ظالم بيده عندنا , فيفسد علينا ديننا , فقيل له: ما نكتب إليه ؟
قال :
اكتبوا له : باسم الله الرحمن الرحيم , من العبد الميت سفيان , إلى العبد المغرور بالآمال هارون , الذي سلب حلاوة الإيمان و لذة قراءة القرآن , أما بعد , فاني كتبت إليك أعلمك أني قد صرمت حبلك وقطعت ودك , وإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك , بما هجمت على بيت مال المسلمين , فأنفقته في غير حقه , و أنفذته بغير حكمه , ولم ترض بما فعلت و أنت ناء عني حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك , فأما أنا فإني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك , و سنؤدي الشهادة غدا بين يدي الله الحكم العدل .
يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم, هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها في أرض الله والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل ؟
أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم يعني العاملين ؟
أم رضي بفعلك الأيتام و الأرامل ؟
أم رضي بذلك خلق من رعيتك ؟
فشد يا هارون مئزرك و أعد للمسألة جوابا و للبلاء جلبابا ,
واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل , فاتق الله في نفسك , إذ سلبت حلاوة العلم والزهد ولذة قراءة القرآن و مجالسة الاختيار , و رضيت لنفسك أن تكون ظالما و للظالمين إماما , يا هارون , قعدت على السرير و لبست الحرير , و أسبلت ستورا دون بابك و تشبهت بالحجبة رب العالمين , ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك , يظلمون الناس و لا ينصفون , ويشربون الخمر ويحدون الشارب , و يزنون ويحدون الزاني , ويسرقون ويقطعون السارق , ويقتلون و يقتلون القاتل , أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن يحكموا بها على الناس ؟
فكيف يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله , احشروا الظلمة و أعوانهم , فتقدمت بين يدي الله , و يداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكهما إلا عدلك و إنصافك , والظالمون حولك و أنت لهم إمام أو سائق إلى النار , و كأني بك يا هارون و قد أخذت بضيق الخناق و وردت المساق , و أنت ترى حسناتك في ميزان غيرك , و سيئات غيرك في ميزانك على سيئاتك بلاء على بلاء و ظلمة فوق ظلمة , فاتق الله يا هارون في رعيتك , و احفظ محمد ا صلى الله عليه وسلم في أمته , و اعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك , إلا وهو صائر إلى غيرك , و كذلك الدنيا تفعل بأهلها واحدا بعد واحد , فمنهم من تزود زادا نفعه , ومنهم من خسر دنياه و آخرته , و إياك ثم إياك أن تكتب إلي بعد هذا , فاني لا أجيبك والسلام .
و ألقى الكتاب منشورا من غير طي و لا ختم فأخذتُه ....."

*****

إشارة :

يواصل الطالقاني رسول هارون الرشيد روايته عن عودته في نفس السياق .

ملحوظة :

لو كان مجال العرض بحثا أكاديميا , لاستدعى الأمر تفصيلا منهجيا ودقيقا , لمكونات العنوان والمصدر , وذلك بالتوسع في المفاهيم والاصطلاحات , قبل تحقيق السند وضبط مرجعيته , من خلال المقارنة وما يمكن أن تؤول إليه من جرح أو تعديل , لكن مجال العرض محدود بضرورات إطار المقال , وما يستلزمه من إيجاز و تركيز , ناهيك عما يتطلبه من اقتصار على الإشارة والتلميح , دون أن يعني ذلك عدم التقيد بضوابط التحقيق وقواعد الأمانة العلمية في التوثيق , ليكون مضمون العرض إجمالا معتمدا على الأصول و
موفيا لشروط القبول .
أما بعد , فمن وجد للنص مصدرا مخالفا لفصه وروحه , فليعلن عنه وله جزيل الخير و النوال .
المتن : كما ورد في الجزء الثاني من حياة الحيوان الكبرى للشيخ كمال الدين الدميري , باب الفاء (الفرس) .
الصفحات 304 /305 306/ , ولم أتدخل سوى في تنظيمه لتيسير قراءته بما يتطلبه من علامات الترقيم .

************

محمد المهدي السقال

جمال الشرباتي 17-02-2007 01:19 AM

مشاركة: بين الحاكم والعالم في التاريخ السياسي الإسلامي
 
أشكرك على مشاركتك القيّمة--


وننتظر المزيد من دررك


الساعة الآن 07:03 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط